المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

بثينة الدسوقي Headshot

هل حقاً حاورتَ العام الجديد؟!

تم النشر: تم التحديث:

توسلت لهذا العام الجديد أن يتباطأ قليلاً حتى تستقر الأمور، فسألني: أية أمور؟.. تنبهت أنني أحاور العام القادم، وهو عادة أمر لا يفعله أحد، الجميع يتفاءل، يتمنى، يقارن بينه وبين سلفه، في أحسن الأحوال يراه المَنجى، وفي أسوئها يراه امتداداً للهمِّ والمُشكلات.

لكن لا أحد سأل العام الجديد أبداً ما الذي يريده منَّا! وهل يُسأَل الزمن؟
لا، إن الزمن لا يُسأَل ولا يُسبُّ كما أُمِرنا، ولكن يمكننا محاورته أو تخيل ذلك على الأقل.

أخبرَني أنه منبهر بمحاولتي الحوار معه، فما من بَشريٍّ قد اعتنى بسؤاله أو السؤال عنه من قبل، لقد اعتادوا إلقاءَ اللوم فحسب!

سألته حذرة عن كنهه فأجاب ضاحكاً أنه ليس الموت، إنه يحتوي الموت بين أيامه لكنه لا يُميت، إن الناس تلعنه لأنه غيَّب حبيباً أو قريباً -يتساءل في دهشة- ثم يقول: لم أكن أنا من غيّبه، إنهم لا يفهمون! إنهم يرون الموت قاسياً على أنفسهم، عصياً على الفهم والتصديق، لا يمكن احتواؤه بروزنامة مثلي! لا يمكنهم تحديد مواقيته ولا الشطب عليه، لكنهم يفعلون ذلك بأيامي وأنا مُرحّب.

ثم أخفض نظره وقال: وأنا أيضاً لست الحياة يا عزيزتي، أنا فقط أسمح لها بالمرور بشكل سلس حتى يتغير الأمر، وأراقبكم تنبضون بتلك الحياة، لكن حاشا أن يكون لي يد في مجرياتها.

وأخبرني أنه ليس الشؤم، فأيامه لا تفعل غير حمل نذير السوء إن وُجِد، ولا يعرف الناس أنه لا يعلم ما الذي تحمله أيامه لهم! أنه كساعي البريد، ألا تذكرونه؟ أجل، لقد انقرض، كالمرأة الحبلى قبل اختراع السونار، هل تعلم أبداً ما الذي يحويه جوفها، هذا أنا، مجرد سجل فارغ عظيم المساحة ممتد كأعماركم، أنتم من تملؤونه.

سألته باسمة.. ماكرة: وهل أنت الأمل؟
ابتسم الزمن، وانتفخ زهواً للحظات وقال: أحياناً كثيرة أجاهد لكي أحمل لكم الأمل والتفاؤل يا عزيزتي.

وعندما لمح ابتسامتي الماكرة عاد يقول، لكني كما قلت لك في السابق، أنا لا أعلم ما أحمله لكم في جعبتي، لا تستدرجيني لأصبح مثلكم، أنسب الخير لنفسي وكل الشرور للآخرين.

- أيها الزمن، لماذا لا تتوقف؟ لماذا لا تتوقف؟

ضحك كثيراً جداً قبل أن يقول: هل تعلمين كم مرة سمعت هذا السؤال الذي اتبعه تمزيق لأيامي في الروزنامات، وقذفها بكل ما تطاله أيديكم؟ كثير، بل أكثر مما تتخيلين، لكنني فقط لا أملك من أمري شيئاً، لا يمكنني التوقف، وليس بيدي قرار استمراري من عدمه، إنني فقط أسير كما هو مُقدَّر لي.

لكنك يا سيدي الزمن -وأخاطب فيك هذا العام الذي يطل برأسه- تترك فينا آثاراً لا تنمحي، تترك بنا علامات، لقد تبرأت من كل شيء حتى الآن وأراهن أنك ستتبرأ حتى من الخبرات والتجارب الإيجابية والمعارف والحكمة التي نكتسبها فيك، فأنت حتى الآن مُنصف يا عزيزي؛ لكنك تترك تلك التجاعيد! وذلك الشيب، هل تفهم مقصدي؟

هنا نظر لي الشيخ ذو الألفي عام وأكثر، وقال: الشيب والتجعيدة الأعظم بالروح، فحاذري من هذه وتلك.

رأيته ينظر في عقاربه التي تقفز بسرعة شديدة فقلت له متوترة: بقي لي سؤالان؛ الأول: هل بالفعل أنت الآن تعبرنا بصورة أسرع؟ أصدقني القول فكل بني آدم يُعذبون الآن بهذه الفكرة التي تستولي عليهم جميعاً؛ أنك أنت من تتسارع وتنقضي قبل حتى أن يدركوا!

- يا بنيتي العزيزة، لقد سئمت من تكرار قولي إنكم من فعلتم هذا بأنفسكم وتفعلون بإصرار "أنتم تخترعون ما يستهلككم، وليس تستهلكون ما تخترعونه"، فكري بهذه العبارة.

وهنا سألته سؤالي الأخير: ماذا تريد منّا نحن معشر البشر في أيامك القادمة؟ فقال: كفوا عن سبِّي، كفُّوا عن السباب لقد أصابكم مرض مُبهم فصرتم جميعاً على قدر من البذاءة غير مُحتمل، وأمر آخر، ترفقوا بأرضكم، ستحرقونها، ستدمرون أنفسكم وأنا معكم، حذارِ.

نظرت إلى أيامه المتتالية نظرة طويلة فاحصة؛ فردها لي بالمثل، وكأنه يُقدّر حجمي بين البشر، ثم أخبرني أنني قد أظنه مُتعَباً مُرهَقاً خائر القُوى، لكني مُخطئة، فهو لا يكل، ولا يتراجع! ولا ينال منه شيء. استعاد بهاءه وبريقه بلحظة، وألقى تحية سريعة وانطلق ليتأهب لجولته الجديدة.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.