المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

بثينة الدسوقي Headshot

هل يخضع الإبداع لخطوط الموت؟

تم النشر: تم التحديث:

لا أذكر عدد المرات التي قررت فيها الكتابة ولم أكتب شيئاً، واكتشفت بعد حين أن القرار كان خافتاً كنجم في ليلة قمرية، لم يكن أبداً قراراً حاداً قاطعاً.

ثم اكتشفت أن الأمر ليس في نوعية القرار، لكنه في التحدي المصاحب له، والضغط النفسي الذي يجب أن يكون عظيماً لإتمام الأمر، والالتزام تجاه "آخر" ما، كموعد نهائي للاشتراك في مسابقة أدبية، أو موعد تسليم عمل لناشر، أو موعد تسليم مقال لجريدة.

أزعم أن العامل الأكبر في عملية الكتابة لي وللكثيرين هو : خط الموت.
أجل، ترجمته الحرفية هي خط الموت، أو Deadline وهو ما يعني تسليمك للعمل المطلوب منك قبل موعد محدد سلفاً؛ سيف مُسلّط على الرقبة لو تعلمون، ويقتضي ذلك أشياء عدّة، مثل إدراك قيمة الوقت الحقيقية، ووضع خريطة زمنية لحجم العمل المطلوب مقارنة بالوقت المتاح، وبالتالي حساب المعدل المعتاد للقدرة البشرية للوصول إلى حل المعادلة ببساطة وسرعة قبل أن تدلي بوعد: هل حقاً أستطيع؟

واقع الأمر أن الأعمال الطبيعية غالباً ما تتم بهذا الأسلوب، بل إن هناك علماً كاملاً خاصاً بهذه المسألة اسمه علم إدارة المشروعات، وهو يعتبر أي عمل مرغوب البدء فيه والانتهاء منه في زمن محدد "مشروعاً" يمكن إدارته بشكل علمي لتحقيق النجاح أو بمعنى أصح الانتهاء من العمل.

"الكتابة ليست خاضعة في كل الأحوال لهذه الحسابات، الكتابة خاضعة للوحي والإلهام".
العبارة السابقة على قدر متساوٍ من الصحّة والخطأ! فنعم؛ الكتابة وضع إبداعي خاص لا يصح معه أن نساويها بعمل روتيني معتاد، ولكنها تحتاج قواعد العمل الروتيني المعتاد لكي تتم من الأساس.

إن الانتهاء من كتاب هو بالفعل مشروع يمكنه أن يخضع لخط الموت شريطة أن يكون الكاتب مُدركاً لمعنى الالتزام الذي لا يتناقض مع الإبداع، وألا يكون ضحية فكرية لتلك الخرافات التي تهيمن على عالم الكُتّاب وتوحي لهم أن الإلهام لا بد له من وقود، وأنه من العيب أن يُحصي كلماته أو يحدد أجلاً للانتهاء من عمله، وأن الفن لا يعترف بالزمن، وأن "قفلة الكاتب" أمر معتاد الحدوث واستغرقت عشر سنوات عند الكاتب الفلاني!

هذه الأقوال كفيلة جداً بوأد الكثير من الكتب في أدمغة كُتّابها قبل أن تتبلور أفكاراً، هذه الأقوال تتحول مع الوقت إلى شمّاعة للكسل المهني والأدبي، وتهيل التراب على سنوات كان حرياً بها أن تمر في إبداعات متتالية، لكن ما يحدث في الواقع هو أن تمر سنون طويلة يتغير فيها الكاتب وربما تتحول مفاهيمه ورؤيته للحياة ويعجز فعلياً عن التعبير عما يحدث له ولمن حوله؛ لأنه فقد بوصلته الداخلية وقدرته على التعبير بطريقة متواصلة، ربما لأنه افتقد وجود خط الموت.

في الأوساط الأدبية الغربية التي تحمل قدراً لا بأس به من الالتزام والقوانين التي تحمي كلاً من الكاتب والناشر على حد سواء -وإن كان هناك دوماً ذلك المدعي اللص السارق لأفكار ومجهود الآخرين- يختلف الأمر بشكل جذري عما يحدث في عالمنا العربي، ويحمل الجميع للوقت قدراً أكبر من الاحترام، ويتنوع الإنتاج الأدبي بشكل كبير، ونعم، ربما يعاني الكثير من الكُتاب من "القفلات" المعتادة، ألسنا جميعاً بشراً؟ ولكن هذه الحالة يقابلها الكثير من المُحفزات، أولها ذلك المجتمع القارئ بطبيعته، والذي يوقِن الكاتب بوجوده، فمن أسوأ مثبطات الهمة هو إدراك الكاتب أن ما يفعله غثاء سيل، وأن من سيقرؤه نخبة صغيرة بعد حفنة أصدقاء.

هل حدّثتك عن الورش المُحفّزة؟ تلك التي غالباً لا تستغل صغار الكُتّاب لبذل المجهود وسرقة إبداعهم، بل تثمر دوماً عن أسماء جديدة بل وفروع مستحدثة من أنواع الأدب، هل حدثتك عن المواقع التي تمنحك ما يُسمّى ببذور لأفكار أدبية يمكنك أن تنسج حولها ما تشاء من إبداع؟ أو عن آلاف التطبيقات المساعدة في عالم الكتابة التي تظل مجانية لحد كبير جداً قد يكفي أي كاتب مبتدئ؟ هل حدثتك عن الكثير من المواقع التي تمنحك برنامجاً مجانياً ليساعدك على إتمام عملك وكأنه "جرس مُنبّه"، بل وذهب البعض إلى أن يضعك أمام تحدٍّ قاسٍ: اكتب أو سنمسح، حيث يمنحك الموقع مساحة افتراضية شخصية لتكتب فيها بصورة يومية في ظل خصوصية صارمة، بشرط الالتزام بقدر معين من الإنتاج اليومي، وإن لم تفعل، يتم مسح كل شيء!

إنهم يبدعون في وضع "خطوط موت" تقلص أوقات استسلامك للراحة من الكتابة وتحفزك باستمرار، ربما كان العائد بسيطاً جداً هو احتسابك -دون أن تُدرك- ضمن زوار تلك المواقع مما يزيد شهرتها وربحها الإعلاني، ولكن انظر معي في فائدتك المُنتظرة بالمقابل!

الكثير من الكُتّاب ذوي "الأرواح الحُرّة" لا يؤمنون إطلاقاً بخطوط الموت ويرجعونها إلى معناها الأصلي الذي نشأت منه ألا وهو ذلك الحد المحيط بالسجن، والذي إن تخطاه السجين صار إطلاق النار عليه أمراً مباحاً! يكرهونها متخيلين أنها قيد على الكتابة، ولكنها في الواقع قيد لإتمام الكتابة، يرونها قتلاً مباشراً وإعلان فشل، مبررين ذلك بأن الكاتب إن رأى هزيمته أمام خط الموت وهو الإنسان المُرهف لن تقوم له قائمة بعدها، وهو قول منافٍ للواقع؛ لأنهم في الحقيقة يقولون ذلك فقط إن هزموا أمام خطوط الموت، ولكن إن أفلتوا فيعترفون أنها "كرباج" الإلهام المعاصر.

إن هؤلاء الذين يعترفون أنهم لا يعملون إلا تحت ضغط، هم عُشاق خطوط الموت، يسعون لها بل ويصنعونها لأنفسهم، ويُدركون جيداً أن "الهدف هو حلم له خط موت".

والأمر يختلف بسبب اختلاف أنماط شخصية كاتب عن آخر، ويختلف بكونه هواية أو مصدر رزق، ويختلف بتأثير وجود القارئ من عدمه، ونوعية هذا القارئ، يختلف لأننا كبشر نختلف عن بعضنا البعض، لكن في النهاية خطوط الموت يمكن أن تخضع للتقييم كأداة تحفيز للإبداع، ويمكن أن تحتل مركزاً متقدماً في هذا الأمر.

في كل الأحوال كثيرون يتبعون تطبيقاً تخيلياً من خطوتين؛ الأولى لستيفن كينغ الذي يؤكد أن اللحظة المخيفة في مسألة الكتابة هي لحظة ما قبل البدء، فبعد تجاوز لحظة البدء العصيبة يصبح الأمر سلساً، والثانية لهيمنغواي: أكتبُ أصدق جملة ممكنة؛ هذا كل ما في الأمر، ساعتها لن يُضير الكاتب وجود خطوط موت، كعين حمراء في آخر النفق.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.