المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

بثينة الدسوقي Headshot

خريطة العالم.. تلك الكاذبة المُخادعة

تم النشر: تم التحديث:

شعرت للحظة أنني "متروكة" وحدي بينما يركض الناجون بعيداً، التفت لأجد الكثيرين يسافرون، ويحاولون السفر، وكثيرين يدفعون أولادهم ويجهزونهم للسفر، بعضهم يسعى للهجرة، والبعض يسعى لتمضية بقية العمر بإقامات مؤقتة في بلاد تحترم الآدمية.

لا حديث لشاب أو كهل إلا عن السفر كخيار مُتاح عند اشتداد ضغوط الحياة، لم يعد ترك مدينتك خياراً، وبالطبع خيار تغيير عملك هو محض جنون!

منذ وعيت الدنيا وبلدي طارد لأهله، كنت بعد طفلة صغيرة عندما بدأت أسمع الزغاريد تنطلق؛ لأن جاراً أو جارة ظهر اسمه في كشف الإعارة لبلد عربي. نعم، كان يعود بعد أول إجازة حزيناً مكتئباً؛ لأنه يفتقد الأهل والناس، ولأنه يعمل كالعبد ساعات طوالاً، ولأنه، لكن يبقى الأمر متكرراً لكل من يصيبه الدور، فرحة عارمة ممتزجة بعد قليل بحزن، كان السفر إلى ليبيا بالذات له وهج خاص كوهج الذهب المتجدد دوماً، الذي يلتمع في أساور الزوجات المنتظرات.

أما المهاجرون في ذلك الحين ومع انعدام وسائل الاتصال كما هو الحال الآن، فهم كمن يعلن على الملأ: إنني ذاهب بلا عودة؛ لأني سئمتكم وعاداتكم السخيفة، أو.. لأني أختلف معكم في كل شيء، أو لأني تعرضت لظلم لا يمكنني معه الاستمرار، نفي اختياري.
قرار الهجرة كان مخيفاً لا يقدر عليه إلا أولو القوة النفسية.

بعد حين، وفي مراهقتي بالثمانينات، دأب الشباب على البحث الدائم عن "الحرية الشخصية"، وكانوا في سبيل ذلك يسافرون في الإجازات يعملون في مهن بسيطة من أجل قضاء إجازة جديدة وسعيدة يمارسون فيها الحرية، بينما يبدأ في الوقت نفسه الخلل يدب في أركان بيوت كثيرة نتيجة لسفر الأب شرقاً، والتماع الذهب في أذرع النساء.

سنوات كثيرة مرت صار فيها السفر أسهل، الكل يسافر.

منذ زمن ونسبة ثابتة من أبناء بلدي تسافر للدراسة، ومن ثم العمل، وقد تحقق النجاح، ومنذ زمن كل من كان يسافر كان في الأغلب يعود ولو بعد حين التزاماً بكلام جمال حمدان في وصف مصر وأبناء مصر بأنهم ملتصقون بالوادي والنيل، ونعم هم يشترون بيتاً أو مقبرة ويتركونه خاوياً من أجل يوم عودة موعود.

ما الذي تغيّر؟ الذي تغير ليس فقط الوتين الذي يربط قلوبنا بالوطن وانسد بدهون أحلام متناثرة ميتة، لكنها أيضاً قوانين السفر! لم يعد سهلاً أن تقرر السفر فتفعل! هناك أمم أفنت أعماراً لتصل لرفاهية يرون أنها حقهم المطلق دون غيرهم، تغيرت الدنيا وصار الأمر أكثر تعقيداً، وأصبح لزاماً عليك أن تقدم دليلاً على كونك ابناً لآدم وليس لإبليس كي تسافر، عليك أن تتعرّى ليتم تفتيشك، وتستذكر جيداً ليتم امتحانك، وتسكب دماً ليتم تحليلك، عليهم التأكد جيداً من ذلك الزاحف من الجنوب أنه قيمة مُضافة ومواطن صالح وإن كان بصورة مؤقتة، حق مؤكد لأهل الشمال.

الذي تغيّر حقاً هو نظرة العالم إليك كمسافر، رغم أن حال بلدك على نفس القدر من السوء على مدار عمرك، إنها نظرتهم إلى بلدك الذي تغير، عليك أن تلمّع سيرتك الذاتية جيداً، وأن تدع سطراً فارغاً يحتوي على تقييمهم المتجدد لبلدك، كيف يرونه بموازين اللحظة وفي أي خانة يضعونه، ربما أن إرهابياً واحداً يصم بلدك للأبد، وربما لا يفعل، ربما لأنه صنيعتهم، وربما لأن بلدك ذات ميزة حالية لهم، ولعل وجود سفّاح في سدة الحكم ببلدك ذريعة لاستقبالك أو بنفس الوقت ذريعة لقتلك، لعل السابقين من جنسيتك أبلوا بلاء حسناً، فمرحباً بهم أو أنهم كسالى عشوائيون فلا مرحباً بك، ربما أنك ذو مال وعقال، في هذه الحال لا شيء مُحال، وربما أن بلدك يفرز الكثيرين جداً منك، فأهلاً بك إن كنت مؤدباً منحنياً دؤوباً، أو لتذهب إلى الجحيم إن كنت فهلوياً مشاغباً، إنك تحمل على كتفك سمعة وطنك أياً كان وتمضي، قلت لك دع السطر فارغاً.

خريطة العالم التي تدور على تلك الكرة لتخبرك بكل حكمة أن العالم صغير وضئيل وممكن، وأن كف يديك قد يحتوي قارة كاملة، وأصبعك قادر على طمس عدة مدن، خريطة العالم كاذبة ومخادعة، ولا تظهر لك ما خفي وهو أعظم، لا تظهر لك تلك الأسوار العالية التي تعزل المتحضرين عمن سواهم، لا تظهر لك بوابات الأمن التي تحيط بذلك الكمباوند الشمالي الأنيق، ولا تخبرك أن تتجهز وتتوقع كل شيء وأي شيء إذا أردت الانتقال من هنا لهناك، لذا لزم عليَّ القول..

أما إن فعلتها وذهبت، فإنني على يقين من شرائك ببلدك لبيت صغير يسرك أن تعلم بوجوده رغم كل شيء.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.