المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

بولا سامي ونيس Headshot

كن كالتاجر الذي اشترى الجحيم!

تم النشر: تم التحديث:

استدامة الطريق لا تعبر عن المعبر السهل، لكن الحل يفرض علينا من موروثات أن كل ما هو سهل مستقيمة حروفه.. ولأننا ما زلنا ميتين فلا نرى سوى الظلام، نشعر بعظامنا.. فشراء أرض الجحيم كان بمثابة عمل عظيم قام به اليهودي المضرب، في عصر الأزمات والزيف وصكوك الغفران.

ابتدعت الكنيسة الباباوية في روما عام 1215م بيع صكوك الغفران، وقررت أنها تملك الغفران وتمنحه لمن تشاء. وكانت تلك الصكوك تباع لمن يريد الإعفاء الكامل أو الجزئي من عذاب جهنم مقابل مبالغ مختلفة من المال، كلٌّ حسب درجة ذنبه، فيتم ضمان صكوك الغفران من الكنيسة بعد أن يعترف الشخص بما ارتكبه.

كانت هناك معارضة من قساوسة ورجال دين مصلحين لبدعة صكوك الغفران، غير أن البابا بولس (قد يكون الثاني) نكّل بهم، وأحرق بعضهم أحياء بتهمة العصيان، والارتداد عن الدين.

قام بعدها البابا في روما بإصدار مزيد من صكوك الغفران، باعتبار أن البابا هو ممثل الله على الأرض، ولا بد لله أن يحترم وعده بالغفران. أدى بيع تلك الصكوك إلى تكدُّس كميات هائلة من الذهب والفضة، فتفتق ذهن البابا عن فكرة شراء صكوك الغفران باسم الأقرباء الميتين؛ كي تساعدهم على دخول الجنة، وتحميهم من النار. فكانت بداية ثورة القس الألماني مارتن لوثر كينغ على الكنيسة الكاثوليكية؛ مما أدى إلى انقسام الكنيسة إلى كاثوليكية وبروتستانتية. كان ذلك في عام 1517م.

التجارة الرابحة من بيع صكوك الغفران، كما يروى، أوحت لتاجر يهودي بفكرة جهنمية دفعته إلى مقابلة بابا روما، طالباً منه شراء جهنم بأكملها، فتعجب البابا من أمر هذا الغبي، واعتبرها هو وقساوسته فرصة لا تُعوَّض لتكديس مزيد من الأموال ببيعهم بضاعة كاسدة، فتم بيع جهنم للرجل اليهودي بثمن مُجزٍ.

أخذ اليهودي من البابا صكَّ النار كاملةً، وخرج مسروراً ومعلِناً للناس أنه قد اشترى من البابا النار كاملة، فلا خوف منها بعد اليوم؛ ومن ثم لا داعي للتهافت على شراء صكوك الغفران، وعندها توقَّف الناس عن شراء صكوك البابا؛ لأنهم ضمنوا عدم دخولهم إلى جهنم!

تعرضت الكنيسة لخسائر كبيرة بسبب ذلك اليهودي الذي اعتقدت أنه غبي، فقد توقفت تجارة بيع صكوك الغفران، ولم تعد الجنة مصدر رزق لها؛ مما اضطر البابا إلى معاودة شراء جهنم من ذلك اليهودي الشاطر، ولكن مقابل أضعاف مضاعفة لسعرها الذي بيعت به.

أتعتقد أنني في السبي أنتظر عشرات الأيام التي لا أعلم مداها بعد إلا حينما صدفة الانتظار تنتهي وتقع الأبواب والمتاريس تقع من أيادينا.. لكنني أموت من الانتظار.. فكل من حولي مات، إن كان الأمل يصبر علينا فهو ظالم.. فتعداد الأموات في انتظاره أكبر من أيام العذاب تلك، والفقدان والخساره جعلاه رخيصاً.

إن الإعياء بأن تكون بأحكامك حاكماً قاسِياً يجعل من الفئات الأقل منطوين بخزيهم؛ لأنهم لا يملكون ما يمكّن نواقصهم أن تكون كمالية؛ بل جعلهم أسرى في جحيم أرضي وأبدي. لكن ما من مخْلص يقدر إلا أن ينافس بالعقل ما يغلب سطور الشر التي بدت قاضية برقاب البسطاء، حتى سمح بأن يبتلعوا أنفاسهم رحباً دون الضيق من سادة الجنة كما تدعوا لأنفسهم.

لا تكن حاكماً؛ بل رابحاً، محتوياً، رحوماً، كلمات فمك تنطلق تُطلق الأَسر من كتفي تحت الحكم، حالماً.

أنت لست رهن أحكام أحد إلا أحكام قلبك ومنطقك المتزن.. أنت رهن جنتك التي تحصدها أنت وما من سبيل يعوق تقدُّمك.. وإن كانت جنتهم ليست لك فأنت خلقت ما يُمكّنك من العيش في جنتك وهو قلبك.. فكن كاليهودي من رحم نفوس الضعفاء.. أن ترحم نفسك أولاً واقبل الآخر برحمتك تلك.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.