المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

بولا سامي ونيس Headshot

ما يجب أن تعرفه عن المراهقة المتأخرة لدى كبار السن

تم النشر: تم التحديث:

لم تمر الأيام كثيراً حتى تذكرت أوائل مَشاهدي أمام المرآة أنظر إلى جسدي عارياً، يبدو مختلفاً.. لم أكن هكذا أو لم أُبالغ في رد فعلي هكذا، إنما كل ما أعيه هو أنني لم أصبح طفلاً بعدُ، حيث بدأت خشونة الصوت في التظاهر عالياً بحدّتها وبعض الشعيرات الصغيرة التي بدأت تنمو في جميع جوانب جسدي، حتى إنني صُعقت حينما بدا بلوغي الجنسي وكأنها تحولت إلى صراع؛ كي أختفي منه.

حتى بدأ التلذذ بالشهوة حينما رأت عيناي زميلتي في الصف الدراسي تبادلني النظرات؛ فتحولت الشهوة إليها إلى مشاعر رومانسية وجنسية، ثم اختطفتني من هي تجلس بجوارها، فبدأت النظرات تختلط حتى جاز نحوي أن أحب الكثير من النساء بمبدأ "امرأة واحدة لا تكفي".

ربما ما كتبته لم يكن ماضياً، إنما خيال تمنيته في الماضي. أما الجزء الخاص بالصف الدراسي، فهو الحقيقي، لكنه يحدث الآن، غير أني في أواخر أعوامي الأربعين، تحولت مشاعري إلى العديد من التلميذات بالصف الثانوي الذي أُدرس فيه مادة الرياضيات.. وما ساعد مراهقتي تلك أنني أملك من الملامح ما ساعدني في أن أجد الانجذاب أيضاً منهن المتفِق مع مراهقتهن في تلك المرحلة.

كنت أشعر بأنني بائس أو حقير، لكني حينما جلست مع معالجي النفسي أخبرني بأنها مراهقة متأخرة، فهو على علم بجذور ماضيّ، الذي لم يكن هناك سبيل إلى أن أغازل فيه إحداهن أو ألتفت حتى إلى شهوتي.. أو لم يكن حتى عنوان للمراهقة، لكني منذ أن تربعت على عامي السادس عشر سافرت إلى العراق بعد أن أصبحت مواطناً رسمياً يحمل بطاقة هويته.

بدأت في تجهيز جواز سفري؛ كي أوفر مالاً لعائلتي على الرغم من أنني لم أكن في تعداد إخوتي العشرة إلا قبل الأخير ولم أكن أول الذكور لأبي.. لكن، لم يتقدم أحد ويتجرأ على أن يسافر لينقذ عائلتنا. حتى قامت الحرب في العراق وعدت لا أحمل سوى مروحة وشنطة سفر! ولم يكن لدي من المال ما يجعلني أن أعود مرتاحاً، لكني عدت متحملاً حمل عائلتي، خصوصاً بعد عودة الملايين إلى مصر، وكانت فرصة البحث عن عمل نادرة والأجواء في مصر لم تكن مبهجة.

عدت وأنا في منتصف عامي التلاثين، وخاصة بعدما تزوج جميع إخوتي، الكبار منهم والصغار، من خيري الذي أعددته مسبقاً، ولم يحاول أبي أن يدخر لي من المبلغ الذي أرسله ويصون مستقبلي أنا أيضاً، لكنه كان يظن أنني أرسل الفتات، في حين أنني كنت فقيراً على الرغم مما كنت أجنيه من المال هناك ولم أصن أنا أيضاً مستقبلي.

وكان أبي يظن أنه طالما المنبع يفيض فهو لن يجف أبداً، حتى إنه بدا يلومني بعد عودتي ويطالبني بالمال مما أجنيه، لكننى كنت عاصياً وطالبت بأن أحتفظ بمالى لأسرتي التي كنت على مشارف البدء بها، وأنني بحاجة إلى أن أنجب ضلعاً لي يسندني قبل أن يمضي قطار العمر نحو الأربعين.

لم أكن أتفهم لم لا أصيغ طفولتي العاجزة تلك، لكني كنت أحتاج إلى أن أكون مراهقاً ولو قليلاً، بدلاً من أن أكون عاجزاً بالشيب طوال العمر. أحتاج إلى تلك الصياغة "الصياعة" أن أسلك بها، أن أنحرف، أن أتمرد، أن أشعر قليلاً بنشوة سعادة المراهقة حتى وإن أثقلتني ذنوبها بدلاً من أن يصيبني اليوم الذنب والخزي والاكتئاب وأشعر بأنني بالفعل أحمق أمام جميع الناس الذين وبّخوني ما عدا معالجي النفسي، الذي تعاطف مع حرماني منها.. فهل أنا بالحق مذنب أم أنني مريض بالحرمان؟

أخبرني معالجي النفسي بأن هناك ضرورة لمعاشرة كل مرحلة بألوانها والمرور بكل نزواتها كالطفولة والمراهقة، ثم الشباب والكهل وإلى الممات، فهذا هو الترتيب المنطقي لحياتنا، إنما الطفولة ثم الشيب فتأجيل مرحلة يصيبنا بالعجز النفسي.

فما يجب أن أشعر به مثل المراهقة في السادسة عشرة من عمري، لم أعبر به، إنما تحملت اعتداء نفسياً، وهو أن أكون مُثقَلاً بحمل الخمسين نفسياً ولم أكن أبلغ العشرين بعد.. فما حدث هو جريمة في حق طفولتي وشبابي ومراهقتي التي زارتني متأخرة، ولكن لا بد أن أعبرها؛ كي أصل إلى السواء النفسي، وأن تكون نفسية مرحلتي تتناسب مع عمري الجسماني والنفسي.

لذا، لا تعبروا بحياتكم نحو العجز فسيصيبكم مبكراً ثم الموت لاحقاً وأنت لم تنل فرصة الحياة بعد.. فيا أيها الآباء لا تُثقلوا أبناءكم بمسؤوليات يجب أن تتحملوها أنتم عوضاً عن أبنائكم.. وإلا فستحملون بين أيديكم دماءهم.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.