المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

بولا سامي ونيس Headshot

حينما يصف مَن يعانون من الوسواس ألمهم

تم النشر: تم التحديث:

وقفت أمام المرآة هذا الصباح بعد أن ضاجعت المياه جسدي.. أحتسب عدد الشعيرات البيضاء التي طالها الشيب وصار الأسود منها شهيداً.. فكان عددها صار الضعف عن الأمس، فأخذت أخفيها بين طياته ونعومته وبعض الإضافات اللامعة، التي تجذب مظهره بين أعين المارة حتى لا يلتفت أحد إلى تلك الهالات الرمادية التي تظلل عيني من جراء تلك الليالي القاسية التي مرت، اغتاظ جسدي فيها غضباً، فحالت أكتافي سبيلاً لوصول الدماء إلى رأسي، فبدأت أتخبط بذاك الانشقاق الذي قسم جسدي نصفين متصارعين؛ الأيمن وهو ما به أستند وأتحرك.

شعر بالعجز والخمول والأيسر، بدأ يضرب يمينه كي يعود حياً فقيوده لا يحررها إلا إياه، لكنني لم أكن متألماً بعد، فكنت محصوراً بين مشاهد عيني، وأفكار دارت في رأسي، وأصوات توبخني لا تتحرك، وآخر لا تستمع للأول، وآخر "أنت مجنون أن تدير مثل هذا الصراع، فأنت في وهم تخلقه"، وصوت تداخل معهم من بعيد يلقي السباب أشبه بصوت أبي، بذاك اللفظ الذي كان يدعوني به، حتى انتقل صوت آخر يبدو هادئاً، يحدثني أن أطمئن فالسلام يعود حينما أغفر عن ذنوبي.

وفجأة اشتعلت خلفه نيران، وكأنها صوت أجش يصرخ: "أنت السبب"، فلم أفهم لمَ، لكني مُوبخ منه، فشعرت بالذنب، فأصبحت أناديني "أنت السبب"، فقتلني صوتي حتى نطقت شفاهي بحديثي السابق، فسمعتها أذني، فضربتني يدي اليسرى عقاباً تأييداً لصوت أبي "تستاهل الضرب"، فاستشاط جسدي بالنهجان خوفاً من تلقي العقاب مرة أخرى، وحاولت عيناي أن تغلق نفسها عني فمنعت دموعي أن تسيل، وتعنفت بإصرار "لا داعي للدموع"، فأغلقتها أنا بشدة، فلم أرِد أن أراني تحت قيد تلك الضربات مرة أخرى.

لكن كتفاي أصدرتا أصواتاً أشبه بأبواق الحروب في الزمن الماضي، تحاولان أن تحتبسا مزيداً من الدماء، فتشددت بقواها، حتى خار جسدي طواعية لها، وكأن رأسي انفصلت، إلا أن أصواتها لم تتوقف بعد، لكنها تعقدت أكثر بصوت غاضب يصرخ فيّ "اقتله.. اقتله"، فارتعبت جداً حينما أصبح مصيري مُقدراً بين حياتي أو القضاء بموتي.

تشككت في حالي، فأصابتني الأسئلة تكرارها، وربما اندفع سؤال إلى صديقي أحدثه كما أحدث حالي: "هل أنا السبب؟"، فأجابني "ماذا؟"، رددت السؤال مرة أخرى: "هل أنا السبب؟"، هذا السؤال بلغ أقصاه تكراره، ولم أعد أتحمل أن أستمع إلى همسات منه، فأجابني: "أنه وسواس الشيطان فالاستغفار هو أفضل حال، لكني نطقت بطلب الرحمة من هذا السؤال، فأعاقني صوت آخر أنني كافر وغير مؤمن بالله، فشعرت بالخزي من نفسي، فأصابني الصوت: "تستحق القتل فأنت كافر"، فتساءلت: أين الرحمة؟، أجابني: لا تجوز لك الرحمة. فانتبهت إلى أنه صوت أبي مرة أخرى.

لم تكن أحاديث عادية أو جانبية، إنما كل الأصوات معاً جنباً إلى جنب، لم يكن أغلبها حاداً، إنما كانت تقطع كل سبل عن الأصوات التي يمكن أن تحد من قسوة هؤلاء، فلم يكن من اللطيف أن أجدني منهكاً أغلب الوقت دون أي مجهود يُذكر، فالاستنزاف ما زال مستمراً، ولم يكن السبيل لمنعه إلا حبلاً مُعلقاً في وسط غرفتي، أو يداً تحملني ببعض الرحمة والتفهم بعيداً عن الوعظ والنصيحة، فأنا إنسان.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.