المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

بولا سامي ونيس Headshot

ألحدت بك.. لكي أؤمن بما هو أعظم

تم النشر: تم التحديث:

"الإلحاد.. لا دين له" حقاً إنها كلمة وصفت المغزى المميز للإلحاد، إنه خرج عن كل ما هو متدين في ذاته؛ لكي يعبر نحو أرض أخرى، ألا وهي محور نقاش هذا المقال.

شرفت أنني كان لي بعض اللقاءات مع بعض الشخصيات -لن أحكم وأدعوهم ملحدين- لكنهم إنسانيون كما يدعون أنفسهم أو لا دينيين، أي يؤمنون بوجود الله، لكن لا يؤمنون بوجود الأديان.. جلست معهم ورأيت مدى الفهم والفكر الحر والبحث و"الجدعنة"، كما نطلقها، وليست تلك الصورة المشوهة من شاربي الخمر والباحثين عن الابتزاز ومحاولة تدمير المجتمع.. أعتقد أنها صورة موجهة لهدف ما لخدمة مصلحة ما.

جلست في وسطهم، واحترموا إيماني بالأديان، وتبادلنا الحديث، وأيضاً النكات، والجلسة كانت ودية بالطبع، وعلمت منهم كم لديهم من أسئلة كثيرة بحثوا عن إجابات عنها، وحينما تمت إجابتها من رجال الدين "هي كده!!"، "لا داعي لإعمال العقل والمنطق!" هذه هي نتيجة الحال عن كل التساؤلات.
لكن دعنا نتحدث عن الإيمان.. الإيمان ليس فطرياً أو جينياً، لكنه دعوة للنمو والتفكير بادئ ذي بدء، ثم محاولة لاكتشاف الذات، ثم محاولة لإيجاد القوة العظمى التي تصير الحياة كياناً وجودياً.

الطفل حينما يولد لا يقتنع أنه لا إله إلا أبوه وأمه، ثم حينما يبدأ يشعر بوجوده، فإنه يدرك أن هناك إلهاً يسقط عليه ما علمه عنه والداه، وتبقى المعتقدات الراسخة منذ ذاك الحين، لكن حينما يبدأ المراهق في الاستقلال عن والديه نفسياً، يبدأ بتنفيذ عكس كل ما تعلمه منهما، وعلم النفس التربوي يشير إلى أنها محاولة للفطام النفسي عن الأهل.. هكذا أيضاً هناك مرحلة للفطام الروحي والديني، وهي محاولة اكتشاف الله من خلال ما ندعوه بشكل استقلالي بعيد عن الفطرة؛ لأن استقلالية حرية الإنسان تبدأ من التمرد؛ لأنه شكل صحي للفطام على المستوى الجسدي والنفسي والروحاني.

فحينما لا تجد إجابات عن أسئلتي فلا تدعوني "كافراً"، تبنّي الأفكار المختلفة وغير التقليدية داخل صحن العبادة لا ينقض أسس الدين إنما يدعمه، فقبول الإنسان وتفكيره الحر المختلف قد يكون سبباً لارتقاء الإنسانية بدلاً من النبذ والتهميش وقبول التمرد بشكل أبوي يحتوي الأشخاص بنظرة تدعم فطامهم.. فقبول الله أيها الأحباب إن لم ينبع من الكيان العميق الإنساني لنا فهو مزيف، فمن وجد الله في قلبه حق الوجود يعلم في ضميره الحر أن الله يقبل كل مَن هو مختلف للحوار والمناقشة والحب والاحتواء.


أتذكر جملة لشخص ما: إن كل ملحد هو بالفعل يطرق باب الله؛ لذلك أريد أن أبادر بتلك الجملة، ببساطة معناها بعيداً عن أي تدين أو هجوم "ألحدت بك؛ لكي أؤمن بما هو أعظم".

وهذه هي خلاصة خبرتي من الشك للإيمان، ومن العدم الحي إلى الوجود العقلاني الروحي؛ لأنني أتشرف بأنني تمردت لكي أؤمن بما هو أعظم، هو حقي أن أعلم أن هناك صورة أخرى، لم أعلم فيها عن الله من المنزل أو أي دور عبادة.

لا معنى للحقيقة المفردة المجهولة أحقيتها، لا تحمل إلا ذنباً على عاتق مَن يحملها، فلا تجردها من مفهومها الكامن، فإن كنت تمتلكها كمعتقد إيماني حي بالنسبة لك، فأنا لم أعتنقها بعد، إنما أريد أكون حراً في إيماني بها، وهذا لا يجرمني بالكفر إنما يعطيني صلاحيات للتفكير الأفضل.

حينما وُلدت لم أجد رباً غير أبي وأمي، ولم أصل إلى تلك الثقة التي تعبر بي من خلالهما إلى القوة الكامنة الخفية التي يتحدثون عنها أو بمعنى آخر يعبدونها؛ لكني كعادة طفل أخذتها بتقليدي الفطري، ولم أعِر لنفسي حرية الاعتقاد، إنما استنزفت نفسي في التسليم لها، ثم أخذت تلك الصورة تكتمل، ورفضت الشكل المحدود، وأردت أن أفهم، فكانت الدعوة عليَّ بالانتماء أو بالانتهاء في نار جهنم غير المرغوبة والمرعبة في تفكيرهم.

أي إله يضع كفَّتين بهما المر والحلو، ويعطيك حرية الاختيار؟! فأي اختيار هذا؟! فأنت مجبر أن تختار، وإلا أودعت نفسك في النار الآكلة، لكنني في صراع منذ سنين منذ المهد حتى الآن، مع حرية الاختيار، لكنني موقن أن غير المحدودية كائنة في الوجود المحدود أيضاً وهذا صراعي الحالي.

ولكن يبقى السؤال الذي يصارع سابقه أيضاً: مَن يملك سلاماً؟ ومَن يملك الرحمة؟ ومَن يملك الحب؟ فلا بد من منبع نجد فيه المعنى الحي للحياة.. هل هذه هي طبيعة إنسانيتي المحدودة؟ إذاً فلا وجود للحب والقبول غير المشروط، أم أنها قوة خارقة مكتسبة تفيض من قوة عليا خفية لم أعلم عنها حتى الآن؟!

أثق أن قلبي سيهديني يوماً ما؛ لأنني وجدت بالحق سلام الروح من منبع القوة العليا "الله "، ولكني أعلم أنه يحترم حتى لحظة كتابتي هذه، أنني ما زلت أصارع؛ لكي أعلم عنه حق العلم.. فسبحانه يقبل حيرة ضعفي، ولا يبالغ في ردة فعله إلا بالرحمة.. هذا هو الله الذي أعرفه.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.