المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

بولا سامي ونيس Headshot

نهاية العالم.. كانت أمس‎

تم النشر: تم التحديث:

انكسار الأزل، وتحول الكون الغائب إلى ظلام ينهار إلى ما لا نهاية.. ويتحول السكون إلى زمان، والزمان يتوقف عن حساباته، والفلك يسقط، والنجوم تصبح رمادية، وتصير الشموس بريقاً لماضٍ زال، والماضي أصبح طيفاً، والحاضر لا يبلغ منتهاه، والغد لم يأتِ بعد، فتكون نهاية الأزمنة بعد الاضمحلال، وعودة كل حي إلى روحه وتتقابل السلالات البشرية؛ حيث أصغر العائلات يتقابل مع رأس الشجرة التناسلي، حتى النسب الأخير للإنسان الأول.

قد نحكم على تلك النهايات حسب عقائدنا، وإيماننا، أو تخيلاتنا، كل منها يشكل تلك الصورة العمياء، المحصورة في عالم الغيب، ولكن التفاوت في ملامحها هو خيال كل شخص عن الآخر، ومشاعرهم تُظلل عليها بتوقعات عديدة تريح الخوف الأزلي من هذا الموت، وما يلحقه بعدها.

قد نريد أن نكشف هذه الأسرار، ونظل نبحث بالفضول عنها، حتى إن بعض وسائل التكنولوجيا الخيالية كـ"آلة الزمن" هي محاولة لكشف مصائر مضت أو لم تأتِ بعد، لكن يبقى السؤال: ماذا سيحدث؟! لكن العجيب أن نهاية هذه العوالم بدأت منذ العد التنازلي لبداية الخليقة، فالكون المتكامل آخذ في الاضمحلال شيئاً فشيئاً، وترسبت الإنسانية أسفل قاع الأرض، ومات كل حي بفضائله، وغابت الروح وسط غيبيات العقل وتسبيح المادة وشبح الطموح.

ولكن بالعودة للإنسانية تلك، نجد أن حياة الإنسان خُدعتها كانت فكرة بسيطة تخدم تَسلطه وتُجبر اتضاعه نحو الذل، ومات الإنسان من الإنسان نفسه، وبات الموت سلطان للآخر أن تعيش تحت قيوده، وأغلب الظن أن دمار المدن كان البداية في إحساس الإنسان بالقهر، وغابت عنه رحمته، وبقيت الأطلال تشهد عن هذا الظلام.. الكلمة المطلقة للشر.

والأمس كان نهاية طفل ليس له عام في الحياة يحياها بسبب سلطان ونفوذ بعض السياسات التي جعلت الإنسانية حذاء للرفاهية الاجتماعية، وتناست تلك الأرواح البريئة وخلقت الخزي والذنب بالابتزاز.. وراحت تستنزف كل ما هو حي.

وحينما أخذ الساسة يقررون حيوات الأشخاص بألوهيتهم لذواتهم، كسلطان للعدم والوجود، حتى بات الوجود سؤالاً يبحث الناس عنه بدلاً من محاكاته فى أرض واقعهم اليومي، وتبقت كلمات أخيرة لألسنة لم تعد تتحدث، سوريا تصرخ، زمانها لن يعود، فصحوة الأرض ستكلف شعبها آلاف السنين نحو النهوض، فحينما ماتت سوريا بالأمس، بدأت بالفعل نهاية العالم.

وما زال الفساد يجوب، حينما مات طفل رضيع على شاطئ البحر "إيلان" وتضرع للظروف بأن يكون بمأمن بعيداً عن وطنه، اهتز العالم لرؤيته، لكنه أصبح بعد مرور الوقت وميضاً لذكريات باتت في عقولنا، تخزنها كالأرشيف، وإن سادت المظالم لكن خوف أطفالنا وذعرهم ما زال مكتوماً عن أذن العالم، وستبقى الحرب بين أمان أولادنا وأحلام السياسيين وصراعهم على السلطة بذخائرهم التي قتلت أحلام فتى أراد يوماً أن يكون عالماً أو رساماً أو... إلخ، لكنها أصبحت أحلام اليقظة، ولن تعود إلا بالخيال فقط.

سلامي لسوريا وشعبها وأطفالها، سلامي لكل الأوطان التي ساءت ظروفها بسبب استغلال قياداتها لطاقات الشعب في مصالحهم، سلامي للأرملة والمهاجر، وسلامي لليتيم والعاجز، الذين أفقدتهم الحروب أحباءهم.. سلامي لمن تعرضوا للضرب والاعتداء والإهانة وسفكت دماؤهم.. سلامي لكل نفس أرادت الحياة يوماً ولم تجدها.
فالعالم بات مهدداً بنهايته.. منذ لحظات الأمس وما زال.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.