المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

بولا سامي ونيس Headshot

السرطان يعود من جديد

تم النشر: تم التحديث:

كثيراً ما أتلقّى الصفعات التي تبرحني أرضاً؛ كي لا أعود راسخاً، فكل ما أتمنّاه هو لحظة اتزان للحياة، أستعدل قامتي، أقف فقط ليس إلا، أن أكون دون محاولة للسند، أن تتلمس قدماي الأرض فقط دون أن أكون معوجاً.

بدأت رحلتي مع المغامرين في إطلالة شمس يوم مُغيب، ذاب جسدي واحترق من الألم وبدأنا رحلة الاكتشاف ثم الصدمة، ثم قبول الصدمة بالمرض، ثم أصبحت جثة هامدة تحت تأثير "الكيماوي"، المعروف بأنه ألعن من مرضنا ألماً، ثم احترق السرطان وأصبحت خالياً منه حتى عادت الأيام لا تغيب مرة أخرى.

لكنني اليوم علمت عودته مرة أخرى، لست أعلم إن كنت في صدمة لقائه بعد أم أنني ذاك الحجر المتجمد إحباطاً، فسيول الذكريات التي أحاطت بي شهوراً أثناء علاجي الأول بتفاصيلها تراكمت واندفعت نحو اللامبالاة المطوية في مظهري ذاك، ثم أدركت فجأة أن الزمان توقف، وأردت ألا تدور الأحداث، فلحظة العدم ربما أريد امتلاكها وما أتمناه هو صندوق خشبي يضم رفات أعضائي؛ لأنتهي من ذاك الألم والشفقة المترددة على جبين من حولي، فكلماتهم تصيبني بغثيان الكيماوي.

دعاني البعض إلى أن أتقرب من الله؛ كي يرفع عني ما سألاقيه، لكني ترددت، فالآن لا أريد الاستماع لأي أصوات روحانيه، أريد أن أغضب فقط، أريد ألا يحدّوا منه، فالصراخ لم يعد مؤلماً، فكتمانه صار أشد ألماً، وعدم الاكتراث صار مميتاً.

" اللون الوردي مطفيّ
والقلوب منهارة إنها تلاقي
والحب بقى أشكال..
بس العيون مش بتصدق..
لأنها قررت إنها مش هتشوف تاني".

هذا هو شعاري، فالحياة أصبحت مرهقة، والحب ذابلاً، وإن كان الدعم كاملاً فأصبحت لا أرى أحداً إلا من خلال السرطان، فالناجون قلّة، وما تسرده الأفلام عن معاناتنا لا تتعدى الساعات، إنما لا يصورون مشهداً من ألم، واحد فقط الذي يدوم ساعات ويتكرر تعداده خلال ساعات كل يوم.

فيا أيها السرطان المبتذل غير المرغوب سكناه، أيها الضعيف المستقوي بهوان جسدي، أيها الجبار في بأس جبروته، أرني الحب قليلاً أو تعامل مع سذاجتى بحكمتك السخية، فالاستغفار لم يعد ممكناً، وكتفاي باتتا مرتخيتين من فرط الأحمال، ويداي ترتعشان خوفاً، وعقلي مكبوتة أفكاره، فدعني حراً، إنني أستميح عفوك ورضاك، وليغفر لي الله ما بات وما سأصبح عليه.

رجاء.. لا أحد يتحدث معي بتلك التفاهات "أنا حاسس بيك أو هتعدي.. أو ده اختبار إيمان.. أو ربنا يشفيك.. أو بلاش تكفر.."، لا تدع إيمانك أو شفقتك تعوق سير غضبي، فلتترك الباب خلفك وامضِ.

ويا رحمة مين قالك إني موجود
جايه تدوري ع الفرح
ولا شماتة عدوينك
فاكرة إن الخير هنا
ولا حد خبّى عنك إننا
حزانى وبنترجى وجودك
إوعى تكوني فاكرة إني هنا
أنا لا بيكي عايش
ولا شايفك هنا
خدي بعضك على بيتك
ده أنا من غيرك في الهنا

والكون بيلفني ف فستان
والضنا عايزني وياه
نفسي أشوفها عروسة
أو أكلبش ف إيده
وأقوله مبروك يا ابني..
لو ع الموت أهه جنبي
كده كده أنا عايش وياه
بس كل اللي عارفه إن ضحكتهم لما بشوفها
نفسي ما تفارقنيش..

فكل ما أتمناه عزيزي السرطان أن أرى زفاف أبنائي، وألا يروا ألم فراقي، فرفقاً بالضعفاء، ولا تعُد مرة أخرى من جديد.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.