المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

بولا سامي ونيس Headshot

أطفال للبيع

تم النشر: تم التحديث:

إنها أزمة تشق طريقها في أجيال تُغتصب براءتهم وتقضي بالعزلة عن إنسانيتهم.. فأتخيل أنه حال طفل ولد في القبور، واتخذها كمسكن له، يعاشر الأموات حتى يصبح بعد حين أحدهم.

كنت مسؤولاً في إحدى الفترات عن مساعدة المتورطين في مراحل الإدمان المختلفة.. وكان لي النصيب الأكبر أن أتعامل مع الفئات العمرية في وقت مراهقتهم؛ حيث النشاط والخذلان يجتمعان في شخصيتهم.. وينصرف بهم الطموح نحو هدف واحد وهو المخدر.. ولا مجال للطفولة السعيدة.. فالنمو قد تشوّه وجذوره ارتوت من نقص احتياجاته.

أتجول في الشوارع، أصطدم في العشوائيات بالأطفال الذين أصبحوا وسيلة للتجار الكبار لترويج المخدرات.

وأصبح هذا مصدر دخل أساسياً، بل إن الأهل يشجعون الأجيال القادمة على اتخاذ هذا السلوك، فالقهر أصبح سبباً لبيع الدم، قد لا أعيش معهم في تلك المأساة، لكنني أرى مستقبل وطن يضيع مع حلم طفولتهم.

أتعجب من نجاتهم في هذه الحياة، فالبعض يلجأ إلى النجاة من نجاتهم تلك.. الهجرة غير الشرعية والسلوكيات الإدمانية والتشكيلات العصابية وغيرها، لكن يظل في تلك الدائرة حتى الهلاك أو حدوث مُعجزة ما.

البعض يتحملون مصائبهم، لكن لا تحاسب الأعمى إن أخطأ طريقه، فأنت لم تعنه بأن تسهل له طريقاً يتعلم على الأقل السير عليه.

في إحدى الجلسات شاركني أحد بخواطر عن مشاعره أراد أن يعبر فيها عن حلمه المفقود حينما أدرك طفله الوجداني المحروم من حقوقه.. فعبر عنه هكذا:

"طفلي محتاس
مش عارف يجري ولا عارف ينط..
جسمي قافل عليه.. ومش عارف يخرج وينطلق
وكأنه لسه ما اتولدش.. أو حد عارف بوجوده..
لسه هو بيشوف روحه وبيحاول يتحرك.. مشلول جوّه قيوده.. موجوع من أطفال غيره بتلعب وهو من الشباك مش عارف يحرك رجليه
نفسه يطير ويشوط الكورة أو يحس بأنه خفيف ع الأرض.. نفسه يلعب زي غيره.. بس للأسف أبوه ما قالوش تعالى نلعب زي الباقي.. ففضل محتاس ولسه محتاس..
عايز يبقى لاعب في فريق كورة أو عازف على البيانو أو شاعر الناس تصقف له.. أو ممثل عالمي مشهور كله عايز ياخد معاه سيلفي.. بس حلمه لسه جواه مكبوت وسط ذكريات محبوسة جوه ماضي أليم.. ناسي إنه طفل عايز يجري.. مش فارق معاه الناس بس إنه يضحك ده أجمل إحساس ومين هيكون معاه.. مش ده المهم.. الأهم إنه جواه فرحان ومبسوط والعالم كله بيدور حواليه..
نفسي لما أنعس.. أنام على كتف بابا..
نفسي لما أخاف أجري على ماما تحميني..
نفسي لما أعوز ألعب.. أضرب إخواتي.. وأغلس عليهم..
ذكرى حلوة في العيد واللبس الجديد.. والدبيحة.. وتهريج أولاد عمي.. ووقت الكحك في العيد الصغير..
كان غصب عني لما ضحكت وافتكرت كل الذكريات؛ لأنها من واقع الخيال".

حينما كان يقرأها كان يرتجف وترتعش يداه.. فالخوف الذي أحاط بطفولته حضر به الآن.. يبحث عمن يسد احتياجه.. فقط أن يكون طفلاً..
في أي منطق هذا لا ندعه يعيش طفولته حتى إن أصابه الشيب.

لذا أنقذوا أطفالاً تسير فى الوحل.. احموهم من مجتمع مريض.. ارسموا لهم أحلاماً جديدة بدلاً من دفنها.. ربما يكون بينهم نجيب أو زويل آخر، فلا تحطموا حياة بل أوجدوا لهم تعليماً وصحة وغذاء سوياً لنفوسهم.. لا تربوهم عَلى الخذلان، فإن الحياة خدعتهم كثيرا.. لا ترفضوهم فربما يكونوا سبباً في جنتكم.. فارحموهم يرحمكم الله.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.