المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

بولا سامي ونيس Headshot

العنف الأسري

تم النشر: تم التحديث:

"ما زلت معلقاً بقيود الوهم، ولا أثر لتلك القيود، فالخيال هو فقط ما يعبر عنها، ولا أجد لها في واقعي دليلاً، غير تلك الومضات التي تعبر بذكرى أو بحلم لا تعني فقط إلا المأساة لي.. ولكن ليس لها منبع، لكن جسدي يعلم عنها حق المعرفة، لكنه لا يخبرني".
كلمات عن صراع أزلي لا واعٍ، نتخبط فيما يتعلق به، وهل النجاة منه مستحيلة؟!

"أتعجب من قسوتي الزائدة لذاتي والحنو والرفق بالآخر، فجلد الذات عسير، لكنني لا أدافع، إنما أجبره بالإكراه".

الخوف والحزن والغضب والكره تجتمع مع منطوق تلك العبارات، ترتعش اليدان وتتلعثم الكلمات مع دقات قلب سريعة قد تلحق الموت بصاحبها، والعجيب على الرغم من إنسانية هؤلاء، فإن قسوتهم تتزايد مع أنفسهم بمعدل طردي مع عطائهم للآخر.

"نوبات من الكوابيس والأحلام المتكررة عن مشاهد قتل ودماء.. ولا تفسير يفيد هذا الرعب المتسلسل في ليلة بعد أخرى".

كل ما سبق هو حيرة البعض ومخاوفهم، بعد أن أصبحوا على وعي بالعالم الخفي بداخلهم، ولا يجدون ترجمة لهذا الصراع الغريب، وغالباً الصمت هو ما يجوز؛ لأن قناعتهم تلك، تعلم أن هذا خيال غير واجب التصديق.

ولكن بالعودة معهم نحو الجذور الأولى في التربية، نجد أن هناك مزيجاً حافلاً من الذكريات التي تُعبر عن العنف الأسري، فأبسط أشكاله، حينما يرى الطفل أي خلاف بين أهله، فعادة الأطفال يرون أنهم محور هذا الخلاف وأنهم سبب لكل هذه الخلافات، ومن هنا يتشكل الخزي والإحساس بالذنب، ثم يبدأ الطفل بتكوين صورة مشوهة عن ذاته النقية.

والشكل الأعقد للعنف هو الحُكم المبكر للطفل، أتعجب من حديث الأهل مع الطفل، وكأنه كامل العقل والأهلية، في شكل الحوار معهم، وأتعجب من توقعاتهم بأن الطفل سيستجيب لهذا الحوار، لكن النتيجة الطبيعية، يُحكم على الطفل بالفشل أو بالغباء، والطفل لا يمتلك هوية كاملة تجعله يشك أن ما يقوله الأهل كامل التصديق، فبالتالي سيتصرف بهذا الغباء والفشل المحكوم عليه وتتبدد شخصيته وتتشكل بهوية غير سوية.

وما هو لا خلاف عليه، الضرب وهو أبشع أنواع العنف، ولكن ما لا نعلمه أن الجسد يسجل تلك الأحداث، يسجلها ويتذكرها على الدوام، ولا تغيب عنه، لكن الطفل لا يتحمل مثل هذه الذكرى فيخفيها في عقله؛ لأن معدل ذاك الألم يفوق طاقته النفسية، لكن الجسم ما زال يتذكر.
بدل ما تضرب ابنك.. احضنه.
بدل ما تعنّفه بالكلام.. طبطب عليه.
لما يبكي أو يغضب، حتى لو لسبب تافه، خليه يعبر عن مشاعره، وأكد أن من حقه يحس بالحزن والغضب ده، ومن حقه إنك تفضل جنبه وهو بيعبر عن مشاعره.

الأكل والفلوس ومستوى التعليم، مش هيخلق طفل سوي أو ناجح، إنما وجودك جنبه تسدد من احتياجاته النفسية زي "التشجيع - التقدير - القبول - الحب غير المشروط.. إلخ".

ابنك بيصدقك.. فبلاش تكدب عليه، وتقول له انت فاشل؛ لأنه هيحقق نبوءتك عنه دي، وافتكر إذا الأيام قدرت تخلي ابنك ينسى، لكن جسمه مش بينسى.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.