المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

بولا سامي ونيس Headshot

أبي في صندوق خشبي.. وصديقي خلف السجون

تم النشر: تم التحديث:

سأفتقد تلك الضحكة حينما تبتسم.. تضمني كي ما أخرج من يأسي.. فمن أنت يا صاحب؟ هل أنت هذا الجمال الذي أفتقده في داخلي؟!
تفاصيلك تبعث بداخلي خيالاً، ترتسم به كلماتي فرحاً، فأنت من علمني أن أبتسم، أشدو نحوك وأغني ربما تلاقيني كثنائي يهتفان تعلم الروح بما يقولانه، فأنت بداخلي تهتف بالحرية، وأنا بك أُنادي أن تطمئن فقلبك مضطرب، فخفقانه ينتزع منك طاقاتك، ويدك لا تستطيع التماسك بيدي.

لا تخف يا صديقي، فأنا عاشق آخر للحرية، أهتف معك، لكني لا أريد أن أقف مقابلها، فربما أنا ألهو ولست مثلك، لكني لا أريد أن أفتقد لصداقتك، فاغفر لي أنانيتي تلك.

أتذكر حكاياتك عنك كشاب يعش قهراً لا يجد طاقاته وآراءه إلا داخل سجون تضمها، ربما لأنك لا تريد أن تعيش كالأعمى أو تفقد أحلامك، فأتذكر كلماتك، أحلامك مدفونة تحت أرجل السلطة، يستوقفونك لأنك ترى، وكم كنت غاضباً لأنك تعي وترى، لا تريد اليأس أن ينال منك، لكنه كان يسعى خلفك.

أقف يا صديقي أُحدث تلك الأسوار عنا، فالليالي بيننا تشهد بالذكريات التي عبرت يوماً ما عنا أننا بالحياة، أريد أن أراك بعيني، وأتحدث معك مرة أخرى عنها، فربما نضحك معاً، فما زلت مشتاقاً لجلستك.

إنني أفتقدك بصدق يا صديقي.. أتمنى روحك يصل إليها اشتياقي هذا، فما زالت روحك تغذيها روحي.

******
أما أبي، فما زلت أشتاق إليك، ألقيت بجسدي كي ما يضم هذا الصندوق الخشبي؛ لينقل لك هذا الاشتياق، فهي ساعات معدودة أجمع فيها باقي عمري، يريدك الآن ويلح أن يراك، فلا أريد باقي عمري دونك، فما زلت لم أكتفِ منك، ولم تكتمل هويتي فيك، غادرتني غدراً، ورحلت شهيداً؛ لأنك أجبت عن تساؤلهم "أنا مسيحي..".

أبي.. "أنا خائف أن أكون مسيحياً دونك"، أخاف أن أكون في كفن هذا الصندوق يوماً ما، فما سبقت أنت فيه الآن يلاحقني، أريد وعدك الآن بالحماية والأمان بعد أن غادرت، وأريد أن أتحدث لك الآن، فهل تسمعني؟

يداك منعتاني من أكون بين أحضانك في هذا الصندوق، احتميت فيهما حينما أطلقوا الرصاص علينا، يا ليتني لم أرَك يوماً هكذا تصارع أنفاس جسدك بالخروج وأنا حي أراها.

أبي.. لا تدعني في انتظار موت آخر أن أكون يتيماً، فأنا فقير دونك.
استيقظ، قم، أنا أناديك، أريد أن أغادر بك بعيداً عن هذا الصندوق، فلا أريد أن أصطدم مع ذكرياتي معك الأخيرة تلك.

أبي.. هم لا يعلمون عنك، هم فقط لا يستمعون لي أدعوك، فالصخب لا يحدثني.
سأدعوك للهروب للأمان بعيداً، فربما أنت تحتاج لحمايتي الآن، فأمي تحتاج أن تكون أنت بالمنزل تعود، وأحتاج أنا أن أراك كل يوم.

أبي.. الحياة ملعونة، والسموم أفسدت رؤيتي، فأرجوك لا ترحل، فحبي لك قادر بك أن يقوم وأنا لست أعهد لأحد بهذا الحب دونك.. فكيف أحب؟ ولمن سيكون له الحب بعد أن خطفوه وأوثقوه بداخل صندوق خشبي؟
فدعني أقبّلك، دون أن تكون للوداع، بل قبّله قبل النوم، أثق أنني سأراك في الصباح.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.