المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

بولا سامي ونيس Headshot

الغرف المظلمة "الأسرار" مقبرة الإنسان

تم النشر: تم التحديث:

إنها مرحلة بالحياة يجب أن تمر بها.. "أن أكون أو لا أكون"؛ حيث توجد الحياة حيث الروح تجد المرسى، وحيث الكيان يشعر، ويبقى في الخلود بأذهان من رأوك حراً.

أن تمر وأن تبقى بعد مرورك هذه هي قيمة الحياة، أن يكون ظلك نجاة لمن لا يعبر إليهم أحد ولا يرونهم، أن تبقى سراً مكنوناً يتعلق بأذهانهم يحييهم أملاً، يعينهم من شقائهم كمن يتنفس أول أنفاسه بعد نجاته من الغرق، إنها الحياة التي خُلقنا عليها كمجتمعات تتعايش مع بعضها، ولا يتوحد أحد بذاته، يعيش في كهف لا يرى فيها وجهاً.

دعوة للآخر دون أن يتسلط، وهذا هو حقيقة معاناة البعض.
يعاني البعض من دفع "الثمن" لأخطاء الآخرين، وتحفر في الوجدان غرف مظلمة، تتهاوى من الداخل ويغلفها الخزي والخوف والإحساس بالذنب، ولكن أي غلاف مثل هذا قاسٍ لأقصى درجة يتحملها إنسان.. فما بالك بما تحتويه تلك الغرف المظلمة!

تلك الغرف هي الأحلام والذكريات والمواقف اللحظية والمشاعر وأفكارنا وحركة أجسادنا منذ المهد حتى لحظة قراءتك لهذه "الكلمة"، وكلها ترسَّبت فينا قد تحكم ضمائرنا أو تحرك سلوكنا، قد نتذكر ما نتذكره، ولكن ما لا نتذكره لا نعلم كيف ولماذا يجب علينا أن ندركه؟! ولكي تعرف لماذا تصرفت أو نطقت أو تحدثت أو حتى لماذا أحببت تلك الشقراء دون غيرها.. لماذا انقبض قلبك حينما سمعت تلك الكلمات.. فالغالب لها دلالة تثير فينا مشاعر لا يعلم أحد أسبابها إلا من خلال نتائجها.

ولكني أريد ألا أكون ضمن حالة الفعل ورد الفعل التلقائي، أريد لحظات من سيطرة الذكريات تلك، وغالباً هذا ما تعنيه عن أمنياتك "يا ريت الزمان يرجع بي.."؛ لأعيد صياغة تلك الذكرى لكي أتمكن من سيطرة لحظتي تلك.. ألا وهي "الآن".

لكن -يا عزيزي- بعض الغرف لدينا قد لا يتحمل البعض دخولها، فالبعض يواجهها بالإنكار أو التجاهل، لكني أتفهم مدى خوفك من رؤيتها، فلك الحق أن ترتعب، فعادة البعض لا يبتغي أن يعيد الماضي مساوئه عليه.

إن شعرت الآن بتسارع أنفاسك أو حركة بجسدك غير إرادية وبحركات مجهولة معناها أو اهتزاز قدميك.. أرجوك استرح وعد مرة أخرى لقراءة باقي المقال.. فأنا أيضا كاتبة أحتاج إلى الراحة؛ لأنني أشعر بضيق في صدري الآن، حينما تذكرت تلك الغرف المظلمة.

*****

أعود إليك بعد يوم مليء بالمشاحنات، أريد أن أخبرك بما يجوب في تلك الغرفة المظلمة، يعاني أحد الأشخاص من اضطراب الشخصية الحدية borderline personality disorder، هذا ما يعيقني في الحياة، فحدة المشاعر أقصاها فرحة ترهقك وأقصاها الآخر اكتئاب يجعل منك جريحاً كأسرى الحرب.

ترتعب إن أخبرت أحداً ما يؤلمك، فربما تبتزه لأنك تريد بسبب احتياجاتك شفقة البعض وتعاطفهم.. إنها الحياة التي تلتهمك في جوفها، وإن اقتربت من هذه الغرفة، وكأن مؤشر حدة المشاعر يتردد عالياً، وتظل أنت ضحية غير قادر على مواجهة هذه الذكرى أو أي موقف سيكون لاحقاً ضمن هذه الذكريات.. وهذا لا أريد ضمانه للماضي.

هذه هي مشاعر أحدهم كلما اقترب من تلك الغرفة الصماء، لكني أؤكد أنه كلما كسرنا سطوتها "الأسرار"، قلَّت حدة خوفنا من الاقتراب من تلك الغرفة، لكننا ننتظر بمن يمسك بأيدينا من جهة، ويده الأخرى على كتفينا، وحينما نصطدم بما في تلك الغرفة، ونغضب مما حدث وننوح عليه، نريد أن نجد يده التي تمسكنا تسرع في احتضاننا، فكاهلنا يحتاج إلى "الطبطبة" والحضن يشفى القلوب الجائعة من حبها والمكسورة.

في النهاية يا عزيزي.. لا بد من نهاية لهذا الصراع، لا بد من نهاية للأزمة.. فالحياة تستمر ولن أكون متوقفاً بها، فطاقات الكون لا تقدم مقاومة طاقاتي، فإبداعي هو وسيلة نجاتي، وكلماتي تلك إليك أنقذتني من انحساري في ذاتي، وأن أكون وحيداً.. فالأغلب لها مجرى في قلبك.
سلامي إلى قلبك يا عزيزي.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.