المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

بلال بوعبشة Headshot

الإنسان في وطني.. ذلك الموجود المفقود

تم النشر: تم التحديث:

ما زلتُ أذكر ولا أنسى ذلك الدرس في الجغرافيا؛ حينما تكلم الأستاذ عن الكثافة السكانية، والتزايد الديموغرافي وأثره السلبي على اقتصاد الدول، وكيف أن الزيادة في عدد السكان هي زيادة في الفقر، وفي الزحام، وفي قلة فرص العمل، زيادة في النفايات والقاذورات، قلة في السكن، وفرص الحياة وعجز المستشفيات، ولو استطاع لقال، بل أظنه قال، ونقص في الهواء والأكسجين واختناق للكائنات، إلا أنه وبعد دروس قليلة من ذلك، كان الكلام عن الثروة الحيوانية، وكيف أن الزيادة في عدد المواشي ورؤوس الأغنام وكثرة البقر والأنعام هي زيادة في صوف اللباس، وحليب الشراب، ولحم الأكل، وما كنت أفهم وقتها كل الفهم هذا الأمر، إلى أن كبرت ففهمت ووعيت.

فهمت أنه أراد أن يقول -طبعاً بحاله لا مقاله-: ما أنتم أيها الحثالة القادمة إلى الحياة إلا زيادة في عجز دولتنا العلية، وزيادة في همها ومشكلاتها، فهلا كنتم نعاجاً حتى نجتز صوفكم ونأكل لحمكم، أو بقراً فنشرب حليبكم، وفوق كل هذا فنأمن شركم!

هكذا نحن وهذه قيمتنا عند هؤلاء، وما هذا الأستاذ المسكين إلا مثلنا ومثل غيرنا، هو جاء ليدرس وينقل ما هو في المنهج الذي كتبه مَن هم خارج تصنيفنا، وهم الأحق بما وصفنا، هم مَن وجودهم زيادة في الجهل والفقر، زيادة في الموت ونقص في الحياة، بل حتى نقص في الهواء والأكسجين، فهل عمّروا غابات أو أنبتوا نباتات، زيادة في كثرة اللعنات والدعوات، والعجيب أنها حتى من الحيوانات، فقد قال غير واحد من السلف: "إذا قحط المطر، فإن الدواب تلعن عصاة بني آدم، وتقول: اللهم العنهم، فبسببهم أجدبت الأرض، وقحط المطر".

اقتلوا الإنسان في الإنسان فلا يبقى منه إلا الحيوان

قبل مدة ليست بالبعيدة زارنا أحد الأصدقاء من دولة عربية شقيقة يحكمها "سيسي"، وكان أن ذهب به ومعه بعضنا إلى حديقة للحيوانات، وكان الغريب في الأمر أن الحديقة ممتلئة من كل شيء، بالزوار والبشر، لكنها خاوية وخالية من الحيوانات، فالأقفاص فارغة، والحظائر لا شيء بها إلا النباتات، بعد مدة تساءل أحدنا، وقال: أين الحيوانات؟ فضحك الزائر ضحكاً هستيرياً، وكان شيطاناً في صفة إنسان من فرط ذكائه وحدة ذهنه.

وقال: يبدو أننا نحن هم الحيوانات.. مضحكة هي ومؤلمة الحكاية، لكنها معبرة، هكذا يراد للإنسان أن يجرد من كل قيمه الإنسانية، أن يترك ويدفع نحو معارك هي أشبه بالصراع من أجل البقاء لدى بعض الكائنات، أن تصور له الحياة كمعركة هو فيها إما رابح وإما خاسر، وعندنا مثل في الجزائر يحفظه الجميع عن ظهر قلب "اقفز تعِش"، ومعناه اسلك كل الطرق، وافعل كل الوسائل لتحقق ما تريد، ولو كان ذلك على حساب الآخرين، وقد علمت أن الذي يقفز هو الكنغر أو الأرنب أو الغزال أو غيرها من فئة القفزيات، فكم ذا نرى من تصرفات تعكس هذه النظرية وهذا الفكر.. اجعلوه يفكر أنه هو السبب، وأن الشعب هو السبب، وأنه لا يستحق إلا الهراوة؛ كي يعتدل وإلا الضرب؛ كي يستقيم، وما هو في الحقيقة يصف ويطلب إلا ما يفعل بالحيوان.

مهلاً هل نحن فعلاً ذووا قيمة أم أنهم صادقون؟!

تقاس قيمة أي شيء بالأمر الذي يميزه عن غيره، فالذهب بلمعانه وصلابته، والألماس بندرته ونقاوته، وهكذا أغلب الأشياء، فما الذي يميز الإنسان ويجعله ذا قيمة؟ إنه العقل، ولا شيء سواه، فهو ما يختص به عن كل الكائنات، وبه يستحق الجزاء أو العقاب يوم العرض أمام رب كل المخلوقات.

وحينما نقول العقل فنقصد به تسمية الكل بالجزء؛ حيث نقصد معه النفس والقلب، الذي ليس هو تلك العضلة الضاخة للدم، فهو في كثير من غيره من الكائنات، وقد قال أبو الفتح البستي، في إحدى روائع الشعر، حين قال:
أحْسِنْ إلى الناسِ تَسْتَعْبِدْ قُلوبَهُمُ ** فطالَما استعبَدَ الإنسان إحْسانُ
يا خادم الجسمِ كمْ تَشقَى بِخِدْمَتِهِ ** أتَطلُبُ الرِّبْحَ فيما فيه خُسرانُ
أقْبِلْ على النفسِ واستكمِلْ فَضائِلَها ** فَأَنْتَ بالنفسِ لا بالجسمِ إنسانُ

وكم ضحكنا حين سمعنا تلك النكتة التي كثيراً ما نرددها حول ذلك البائع الذي يبيع الأدمغة، فيُحكى أنه وضع ثلاثة أدمغة على طاولة البيع، أحدها دماغ ياباني، والثاني لأميركي، والثالث لعربي، فكان سعر الأول هو الأزهد، ثم يليه في الزهد الأميركي، ثم الأغلى بينهم هو للعربي، فكان كل من يشتري يتعجب، فالمفروض هو العكس، فكان البائع يجيب بأن القيمة بالاستهلاك، فالأول مستهلك تماماً، والثاني أقل، أما الأغلى ثمناً فهو الجديد الذي لم يستعمل، وهو الدماغ العربي، فنضحك ونضحك على أنفسنا أن عقولنا جديدة لم تستهلك، وبما أن البائع والمشتري والراوي، وحتى القارئ عرب.

فلك أن تعرف أن معنى القصة هي العكس، فعقولنا أبخس العقول وأرخصها ثمناً اليوم بين العقول، فنحن إذن بالنفس والعقل والتفكير، وهو ما يجعلنا ذا قيمة، وبفقدانه أو الإقلال من قيمته تقل قيمة صاحبه، فكم يزن العقل العربي والمسلم في ميزان العقول اليوم؟ ولعلني لن أعقد الأمر وأستعير مما كتبه الجابري في نقده ومن الطرابيشي في رده، لكن الأمر أبسط من ذلك، وكلنا بإمكانه أن يعلم، بل ويفهم ونظرة قليلة على ما يسود مجتمعاتنا من جهل وانتشار للخرافة، وقلة في مستوى العلم، وفي البحث، وفي القراءة، سيدرك لا محالة كم هي القيمة، لن نختلف في ماهية السبب، فقد نقول إن من يخنقوننا -عفواً- من يحكموننا لهم النصيب الأكبر في سلسلة التجهيل والتقليل هذه، عبر كل الوسائل الممكنة والمتاحة، وعبر تجفيف كل ما يمكن أن يروي العقول، ويزيد من قيمتها وتفكيرها تارة بتهجير الأدمغة، وتارة بقتلها وسجنها، وتارة أخرى بجعلها منهمكة وغارقة حتى الأذنين في معركة الخبز وتكاليف الحياة.

والأساليب كثيرة على كل حال، لكن الذي لا يمكن أن نبرره هو ذلك العجز السائد والاستقالة الواضحة من فضيلة التفكير وإعمال العقل وتدريبه وتطويره، وهنا قد نبرر استقالة الفعل والقدرة، فلذلك عدة مسببات متداخلة ومتشابكة، لكن الذي لا يمكن أن نبرره بحال من الأحوال هي تلك الاستقالة في النية، والعجز في الرغبة، فهذه هي الطامة الكبرى والداهية العظمى، وهنا تؤول قيمة الإنسان إلى الصفر، ويصبح ما قلنا سابقاً صادقاً، ونجيب عن السؤال بسؤال: هل هذا هو الأصل أم هو الاستثناء؟ وهل هي المرحلة أم هي نهاية الطريق؟

في معركة القيمة وعودة الإنسان:

ما زلت أقول إن صفة المجتمعات مترابطة ارتباطاً بما تقدسه وتجعل له المقام الأعلى، فمجتمعات الذل والخنوع ومد الخدود لتضرب بالكفوف، تجد القيمة فيها لسلطة القوة والعسكر، وترى أمنية ورغبة كل أب من ابنه أن يصبح ضابطاً سامياً في الجيش، علَّه يرفع قيمته، ويرفع عنه الظلم والذلة، ويحميه من دهس وعفس ورفس بيادات السلطة والنظام، وتجد التي تقدس الأطباء والمستشفيات هي تلك التي ترزح تحت الأمراض والأوباء، وغاية كل فرد فيها أن يصبح فيها ممرضاً أو طبيباً، ومجتمعات الجهل والتخلف تجد القيمة فيها للساحر والمشعوذ والكذاب، ومجتمعات الذوق والإتيكيت تجد القيمة فيها لمصممي الأزياء والموضة وصانعي العطور، ومجتمعات الفن والجمال تجد المقام فيها للرسامين والمغنين والموسيقيين.

أما مجتمعات العقل والفكر فتقدس العلماء والفلاسفة والمفكرين، ومجتمعات العدالة تقدس القضاة وعلم الحقوق والمحاماة، وهكذا إلى غيرها.. ولذا أقول إن أول خطوة علينا خطوها، وأول معركة علينا خوضها، هي معركة استرداد قيمة العقل، وقيمة من يحث عليه، ويعمل على نضجه وكماله، وبه سنكون قد وضعنا اللبنة الأولى لعودة الإنسان بقيمته وقيمه، وبكل ما تحمل كلمة إنسان من إنسان.. تقاس الأشياء بقيمتها عند الوجد، وثمنها عند الفقد.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.