المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

بلال بوعبشة Headshot

طريقك للاستمتاع بحياتك

تم النشر: تم التحديث:

إنه الحلم أن يعيش كل واحد منا حياته بين الأحياء، وأن يكون رقماً ذا ذكر، وشيئاً ذا إضافة، ولا ينطبق عليه حال من قال فيهم الرافعي يوما إنهم الزائدون على الحياة بدل أن يزيدوا فيها، فالعمل والإنتاج والمكان في التاريخ كلها أحلام لذيذة في كثير من النفوس، لكنها تظل أحلاماً ما لم ينفخوا فيها من روح الحياة، ويبعثوا من قوة الوجود، أو كما قال الغزالي، هنا يتبادر السؤال: الكل أو الأغلب لهم ذات الفكرة، لكن لماذا يحصل ذلك مع القليلين؟ وهنا كأنه يحدث العكس، فنحن نعلم أن منطقة الموضوع أوسع من الهامش، لكن الواقع يقول، والتاريخ يذكر، والدراسات تؤكد أن الذين يعيشون في المضمون ويكون لهم ذلك الذكر، وتلك المكانة، والتأثير، يقول إن عددهم لا يتجاوز في أحسن الحالات 2% من المجموع العام للفئة التي يكونون فيها، حتى إن الحديث الذي يرويه ابن عمر، والذي قال فيه سيد الخلق عليه الصلاة والسلام: "إنما الناس كإبل المائة لا تكاد تجد فيها راحلة"، أي أن الذين يمكن حمل العبء والتعويل عليهم نسبتهم إلى 1%، وإذا علمنا أن الذين حضروا حجة الوداع كانوا مائة ألف، والذين ذكرتهم كتب الأخبار والسير هم 2500 فقط، أي ما نسبته 2.5% وهي قريب مما سبق، وهذا ما يقودنا للسؤال حول "لماذا؟"، والإجابة عنه ستقودنا إلى الحل "كيف؟"، وبه سنحدد "ماذا؟"، وهو ما نحاول الإجابة عنه فيما يلي من الكلام:

1- كن مبادراً
إن الفرق بين الجماد والكائنات الحية الأخرى أن الأول عاجز عن الحركة بدافع ومؤثر ذاتي، أما الثاني فقد وهبه الله القدرة على ذلك وجعل فيه طاقة كامنة وداخلية تخوله ذلك، لكن الفرق بين الإنسان وبين غيره من الكائنات الحية الأخرى أن الأخيرة تتحرك بدافع غريزي وقهري، بينما جعل الله للإنسان حرية الاختيار، وحرية الفعل، وحرية رد الفعل، وهذا مناط التكليف، وسبب الحساب، وفي حال انتفاء ذلك بالمرض أو الجنون أو النوم أو القهر يزول عنه ذلك، وهذا ما نعنيه بالمبادرة، وهو ما بدأ به مؤلف "العادات السبع"، ويذكر فيها أن تلك المسافة بين الفعل ورد الفعل، بين المنبه وبين الاستجابة، ومدى التحكم فيها، وفقاً لفهمنا وتقديرنا لذاتنا، وامتلاكنا لحريتنا، واستقلالنا، فنحن من نقول لا للأشياء التي لا نريد، ونعم للتي نريد، نحن من نقرر أن نغضب، أو نفرح، أو نحزن، وبقدر تحكمنا في هذه المنطقة نكون قد انتقلنا من الهامش إلى المضمون، من الحاشية إلى النص، والعكس بالعكس، ولتنظر إلى جماعة الهامش نجد التبرير بـ"هم"، وعلى النقيض تجد من يملكون زمام المبادرة ويعيشون في المضمون شعارهم وكلامهم "أنا" من يحدد كيف أريد، ومتى أريد، ومع من أريد، وكل من يعطل هذه الصفة لديه -في رأيي- فقد نزل بنفسه عن الدرجة التي خلق عليها، ونذكر ما قاله هنري ثورو: "أنا أعرف أنه ليس هناك من حقيقة أكثر تشجيعاً من قدرة الإنسان التي لا شك فيها على العمل للارتقاء بحياته من خلال سعيه الواعي وجهده الدؤوب".

2- كن شغوفاً بالتعلم
يوماً عن يوم تسقط نظرية الرجل الخارق، والذكي البارق، ولا يبقى إلا القول إن من يعمل ويجتهد أكثر ويطور ذاته فله الفضل والسبق، وقد قرأت دراسة لكاتبة عن فكرة "العقول الجامدة" وفحواها أن الكثير من المتفوقين في الصغر بسبب ذكائهم لا نجدهم يواصلون على هذا المنوال، وعلى العكس منهم أولئك الذين كانوا أقل تفوقاً وذكاء منهم، والسبب برأيها في ذلك أن أصحاب العقول الجامدة بقي اعتمادهم على ذكائهم وموهبتهم فقط، بينما طور الآخرون من مهاراتهم، وزادوا من قدراتهم، وكان لهم النجاح والوصول، ولسنا نقصد هنا العلم النظري والتلقيني، ولكن كل ما هو زيادة وتطوير في الإنسان من مهارات ولغات وأفكار ومعارف وغيرها.

3- الفشل سبيلك للنجاح
لا أعلم فيما أعلم على قلة ذلك أن أحداً ممن كتبت أسماؤهم في المضمون، وعاشوا حياتهم في نطاق الضوء، إلا وقد مروا على ذلك المعلم الرئيس، وذلك الشيخ الحكيم الذي يسمونه الفشل، إنه النقطة التي تجمعت فيه كل أنواع التراكمات من بقايا المحاولات للوصول، إنه الذي علم أديسون مئات الطرق يستحيل أن يشتعل بها المصباح، وعلمت الأخوين رايت كل الطرق التي يستحيل بها الطيران، وعلمت كل العظماء الطرق التي يستحيل أن يصلوا بها إلى هدفهم ومقصودهم، ولكن قائل يقول كل الناس وصلوا لهذه المحطة، فأين الفرق؟ الفرق كما أشار إليه جون سي ماكسويل وكتب لأجله كتاباً عنونه بـ"الفشل البناء"، هي في نظرتنا المختلفة للفشل، فبينما يراه جماعة الهامش نهاية الحياة، ومنتهى الطريق، يراه جماع المتن والمضمون وسيلة للتعلم والتطور واكتساب المناعة ضد ذات الفشل مرة أخرى، والبداية ليست من جديد فقط، بل ومعك كتيب وكتالوج اسمه ومعناه: كيف لا تفشل مرة أخرى؟

4- استغل الفرص
"سبقك بها عكاشة"، نرددها في الكثير من المواقف، ونستدل بها من الحديث الذي جاء فيه أن النبي أخبر صحابته الكرام بكلام عن أحوال بعض من يدخلون الجنة، فكان أن استغل عكاشة بن محصن الفرصة، واقتنص اللحظة، وطلب من النبي أن يدعو له أن يكون منهم، فدعا له بذلك، وأراد آخر مثل ما أراد، لكنه قال إن عكاشة قد سبق بها؛ لنحلل ونستدل هنا قليلاً، ونقول إن قطار الفرص السريع يمر على واحد فينا، أو بالقرب منه، وهذه عدالة الله في أرضه، وبين خلقه، لكن الفرق بين جماعة الهامش وجماعة المتن، كما سميناهم، أن الأولين تأتيهم وهم على الأرائك مرتاحون ولاهون لاعبون، بينما الصنف الثاني فتجدهم على أتم الاستعداد وبكل العتاد حضروا وتحضروا وخططوا ورتبوا، فيركبون ذلك القطار الذي يوصلهم إلى الغاية والهدف، فاللوم عنا ليس على الفرص، بل على من لم يعد لها، أو يسعى لاقتناصها، وهذا حال عكاشة فيما نحسب، ولا نزكي على الله أحداً أن الجنة ملأت قلبه، وشغلت فكره، فنطق لسانه بسرعة البرق عند ورود أول فرصة لدخولها، وكان له ذلك، فطوبى وطوبى لكل من ركب ذلك القطار ووصل وانتصر.

5- "ركز.. ركز.. ركز"
لو لم يكن من سبب للعيش في المتن بدل الحاشية، وفي المضمون بدل الهامش سوى هذا الأمر لكفى به سبباً، فحتى قطرات الماء الضعيفة لو سلطت وركزت على نقطة واحدة من جلمود الصخر لثقبته واخترقته، والعكس من ذلك هو التشتت، ومهما بلغت من قوتك، لكن حين تتوزع على أمور كثيرة لن تصبح ذات قيمة، ودونك أموج البحر العاتية حين تتكسر على صخور الشاطئ، ولو جمعت قوتها على نقطة واحدة لفجرتها، ركز على نقاط قوتك بدل تشتيت طاقتك على تقوية نقاط ضعفك التي مهما قويت لن تكون إلا في المتوسط، ركز عليها، وستتساقط عيوبك ونقاط ضعفك، كما تتساقط أوراق الخريف.

6- أنت سيد قرارك، وبها الختام، ولك التفصيل.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.