المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

بلال وهب Headshot

النحت القبيح

تم النشر: تم التحديث:

نحن قطعنا أشواطاً شاسعة في الخيبة وقلة الحيلة وقضينا أوقاتاً طويلة في الهذر واللغو تكفي أمماً وشعوباً وقبائل كاملة، ومضينا نسفسط في القضايا التافهة والأمور السطحية التي لا تنشغل بها الدول ذوات القوة والمنعة والحضارة لأن عندها ما يشغلها عن التفاهات ولا تنشغل بها الدول التعيسة لأن عندها ما يشغلها لكي تبلّ به الرمق وتطفئ به الحرق..

ويكفي أمة تهرول في طرق الخيبة بهذا الجد أن تنحت فيها عوامل مسخ الإنسان وإطفاء نفخة الروح العلوية التي رفعته وكرمّته، فلا هي قدرت على أن تقاوم تلك العوامل ولا هي تعاملت معها تعامل الطارئ الذي يأخذ حكم الضرورة حتى تزول والعارض حتى ينقضي، بل استسلمت له وانقادت من رقبتها إلى حيث يقودها ويسيّرها!

نحن كلنا جميعاً ضحايا هذا النحت المقيت الذي شوّه فينا صورة الإنسان البهيّة ونازعنا الفطرة السليمة والعفوية البريئة التي كانت تغشانا حين كنا أصدقاء هذه الفطرة النقيّة، ولم يسلم من هذا النحت سالم ولا نجا منه ناجٍ إلا كما تحصي عدد النجوم في سماء مضيئة!

كنا من قبل نكتب عن الحب والسلام والمحبة التي تشمل البشر جميعاً وتظلهم بظلها، وكنا نغشى الناس من غير تصنيف ولا تفرقة ولا تقسيم ولا تعريف، وكنا نتلطف بالمخالف ونتحبب إلى المعارض، وكنا إذا ذُكر العنف اكفهرت وجوهنا ومضينا ننكره ونلعنه لعناً كبيراً، وكنا نثور ونحن لا نتوق إلى غير العدل والكرامة والسلام وأخذ الحق من القوي للضعيف ومن المتخم للجائع، ومن ورائنا كانت أجيال أوفر منا شباباً وأصغر منا أعواماً تتطلع إلى يوم كريم من غير مسغبة ولا ظلم ولا حرب ولا قصف ولا سجون ولا قيد!

فلما سعى في نفوسنا ما سعى ذبلت تلك الروح ووجدنا من جانب النور ناراً صلتنا بلهيب حار متقد، وأوقد الفجار فيها من كل حطب، ووضع أهل السوء بها من كل جذوة، ورُمينا نحن الشباب بكل نوائب الدهر وعاديات الحياة، وانقلبت الأحلام أفزاعاً مريعة، وعاصرنا الحروب والانقلابات والتفجيرات والمليشيات والاعتقالات والتصفيات والاغتصابات والقصف والعنف، وشهدنا مَهْلك الإنسان حرقاً وغرقاً وقصفاً وطعناً ومرضاً وجوعاً، ورأينا بأعيننا ما كنا ننكره حين نقرأ التاريخ ونتهم به الرواة بالتدليس والمبالغة والكذب، حتى صرنا نرى التتر والمغول والإخمينيين أناساً أولي قلوب رحيمة وأخلاق عالية بجوار ما نرى اليوم ونشهد!

إننا- حتى أصحاب النفوس الكبيرة- تآلفنا مع هذه الحياة الكريهة على اختلاف التآلف معها طوعاً وإكراهاً، وصارت الحوادث والكوارث وقائع يومية نقرؤها ونسمعها وننقلها وننشرها دون اكتراث، وبغير أن تهزّ فينا جسداً ولا نفساً، ابتداء من إهلاك الحرث والبلاد وخلوصاً إلى قتل النفس- أي نفس- بغير حق ولا بينة ولا برهان، واستمرأ كثيرون هذا التآلف حتى صاروا أعمدة فيه رواسخ، وسباق الهروب إلى كل عصابة ذات بأس وسلاح تُكره الناس عليه ولو كانوا مؤمنين صار سباقا حامياً بين الناس من وصل فيه هتف بسواه يناديه ويحرضه ويدعوه!
هل كانت أحلامنا تعيسة إلى هذا القدر أم كنا نحن السذج المغرورين؟ وهل وقوعنا في شراك ضحايا الطغاة المخابيل من سفلة الناس كان جزاء لنا على نوايانا الطيبة التي ما حملنا معها فيها قدراً من خبث ولو كان خفيّاً؟ أم أن القدر تركنا وحدنا عرايا نواجهم في هذه المعركة غير المتكافئة ليرى فيها مصارعنا أو يشهد فيها كيف نعمل؟

إنني مؤمن حدّ اليقين بأن اليأس كفر وأن الاستسلام خيبة وأن القنوط من عمل الشيطان، لكننا لن نقدر على مواجهة هذا العدو الخسيس ويد النحت القبيحة هذه تعمل فينا بالغدو والرواح كما تشتهي وتريد، لأننا حين ننتصر بهذا التشوّه- لو انتصرنا به- سننتهي إلى مصير أكثر بؤساً وحال أوفر وبالاً.. بكثير!