المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

بلال حسن بستاني  Headshot

هِجْرَةٌ إلى المَجهُولِ

تم النشر: تم التحديث:

يُعاني الشباب العربي والمسلم على وجه العموم، والسوري على وجه الخصوص، كثيراً من المشاكل في واقعنا الحالي، هذه المشاكل تعصف بهم على كل المستويات، منها مشكلة كبيرة بدأت تنتشر إبّان الربيع العربي في المنطقة ألا وهي مشكلة الهجرة إلى أوروبا، والتي شهدت طفرة كبيرة في أعداد المهاجرين في الأربع سنوات الأخيرة من الحرب المدمرة ضد الشعب السوري، والتي يبدو أنه لا نهاية لها، فكثير من السوريين أرهقتهم الحرب ويرغبون بالهجرة، كما يعتبر الأمن والاستقرار في الدول الأوروبية أمراً مهماً للسوريين الفارين من ويلات الأزمة في بلادهم.

الأشخاص الذين يبحثون عن الهجرة غير الشرعية هم غالباً هاربون من الموت وهم مضطرون لذلك. ويمكننا القول إنّ الهجرة الحالية أصبحت موضة لدى شريحة واسعة من الشباب العربي والسُّوري بشكل خاص فأصبحوا يبحثون عن الهجرة لما يجدوا فيها من متع وملذات ومسكن ومعاش مؤمن، ناهيك عن الأمن وهو العنصر الأهم في المعادلة وهو ما لم يكن بالحسبان..

لقد تضخمت هذه الظاهرة في الآونة الأخيرة مما جعلها حلم لكثير من الشباب العربي والإسلامي، إنّ من أخطر أنواع الهجرة هي هجرة العقول الشابة التي تمتلك المعرفة والقوة لبناء مجتمعاتها وعوضاً عن ذلك تقوم بالهجرة طلباً للرزق والأمن كما ذكرنا آنفا. إنّ موضوع هجرة الشباب يثير القلق فهم غير محصنين دينيا وأخلاقيا -على وجه الخصوص- سرعان ما يألفون أجواء الحرية السائدة في الغرب بعيداً عما هو سائد في بلادهم من كبت شهوات وفساد بالمناظر والمظاهر التي كانوا مقيدين بها في بلادهم، وبذلك يكون قد أتيحت لهم فرصة لم تكن لديهم من قبل..

نحن لسنا ضد الهجرة بمعناها العام، لكن ضد هجرة العقول الشابة، وخصوصاً كما قلنا غير المحصنة، فهذه الفئة سرعان ما تنصهر في المجتمعات الغربية المتفلتة، وبالتالي يكون ضرره على الشباب وعوائلهم وبلدهم.

فإن كان لا بد من هذه الهجرة، فيجب علينا استثمارها بالدعوة إلى الله من خلال معاملاتنا والمتمثلة بالأخلاق الفاضلة والسلوك الجيد، ناهيك عن الدعوة المباشرة لمن يجيد ذلك، وبالتالي نكون قد استثمرنا تلك الهجرة كما استثمرها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولقد تمثّلت الهجرة في وعي الصحابة بطريقة إيجابية جعلت منها حدثاً داعماً للدعوة إلى الله، فكانت هجرتهم إلى الحبشة نصراً بعد إيذاء المشركين لهم، فسمح رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم بالتوجه إلى الحبشة؛ لأنّ فيها ملكا لا يُظلم عنده أحد، وذلك بعدما رأى الرسول اضطهاد أصحابه من غير أن يستطيع توفير الحماية لهم.

وقد أرسل كفار قريش بعثة إلى نجاشي الحبشة، حاملة الهدايا الثمينة لرشوته ورشوة حاشيته كي يتخلى عنهم ويسلمهم إلى قريش، مما جعل جعفر بن أبي طالب يُلقي خطبة أمام النجاشي نيابة عن المهاجرين كانت مثالا يحتذى في الرقي الأخلاقي والحجة والمنطق وتمثيل الإسلام أيّما تمثيل، شرح له من خلالها أسس دين الإسلام، بما يختلف والجاهلية، فأقنع النجاشي كلامه، خاصة فيما يتعلّق بمدى التقارب بين الإسلام والنصرانية التي يعتنقها النجاشي. وهكذا فشل كفار قريش في مساعيهم لإعادة المهاجرين إلى مكة. وكان لهؤلاء المهاجرين دور عظيم في نقل الدعوة إلى أرض جديدة والبحث دائما عن فرص لنشر الإسلام دين الرحمة.

في نهاية هذا المقال يمكن القول إنّ الخوف ليس السبيل الوحيد للنّجاة فهناك من يبحث عن أمان من نوع آخر وهو التمسك بالله واللجوء إليه، فكل شيء تخافه تحاول أن تفر منه ولا تقبل عليه مهما كان الثمن غالياً، إلا الله سبحانه فإنك إن خفته فررت إليه وأسرعت الخطى نحوه: {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ}..

اترك كل ما في الدنيا من ملذات وشهوات ووجّه قلبك وعقلك إلى الله، سافر بعيداً بقلبك إلى هناك حيث ستجد الراحة والأمان وحلاوة الإيمان ستشعر حينها أن كل ما في الكون مسخر لأجلك كل ما في الحياة من صعوبات وتحديات ومتاعب تمر عليك بيسر ولين؛ لأنك أعطيت قلبك لله.

أخي الكريم لا تهجر مجالس العلم ولا الصحبة الصالحة ففيها يتجدد إيمانك، وفيها يزداد يقينك، وفيها يزول جهلك. اهجر صحبة السوء وتقرب إلى الله بقلبك وببدنك وبلسانك وبأعمالك، ولا تستصغر أي عمل كان، ربما تكون سعادتك في دنياك، لا تدع النفس الأمارة بالسوء تزين لك المعصية وتنسيك النظر إلى الله، وقل للأشياء التي تشغل قلبك وروحك هذا فراق بيني وبينك..

فرصةٌ أمامنا لنقتدي بصحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الذين ضحوا بالغالي والنفيس من أجل هجرة إلى الله ورسوله بقلوب مطمئنة خاشعة، يا لها من هجرة وفرصة لتغيير نفسك.. ففروا إلى الله.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.