المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

Bernard-Henri Lévy Headshot

لعبة روسيا الأوروبية في سوريا

تم النشر: تم التحديث:

باريس. بات الأمر جليًا في سوريا: لا مجال هناك لحل جيدٌ.

لم يلُحْ أي حل جيد في أفق سوريا منذ تلك الجمعة السوداء في أغسطس/آب 2013 عندما قامت آلة حرب الرئيس السوري بشار الأسد باستخدام الأسلحة الكيميائية، متخطية بذلك "الخط الأحمر" الذي كان الرئيس الأميركي باراك أوباما قد حذر من أن تخطيه سيعقبه رد أميركي عسكري. صمدت المعارضة المعتدلة بينما لم يكن تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) حينها قد خرجت بعد، أما أوباما فقد فاجأ الجميع باستدارة كاملة على عقبيه في آخر لحظة ورفض التدخل.

تلك كانت غلطةً ولا يمكن إصلاحها، لكن بعض الخيارات أسوأ من بعضها الآخر ضمن مجموعة الحلول التعيسة للشأن السوري، ولعل الحلّ الذي تفتق عنه ذهن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين هو أتعس هذه الحلول على الإطلاق وأصلاها جحيماً.

لقد تركزت ضربات صواريخ سوخوي الروسية على أهداف في مدن إدلب وحمص وحماة، وهي جميعها مناطق غير خاضعة لنفوذ داعش حسب ما يؤكده مراقبون مستقلون ومراقبون للجهاديين وغيرهم من مراقبي مقاطع الفيديو التي تنشرها السلطات الروسية بنفسها على الإنترنت. هذا يعني أن الهدف الرئيسي من هجمات روسيا هو إضعاف المعارضة كلها، بما في ذلك المعارضة الديموقراطية في مواجهتها مع نظام الأسد.

إذاً هدف التدخل الروسي ليس المساهمة في إطار الجهود ضد "الإرهاب" كما يدعي قادة حملة الكرملين الدعائية، وإنما الهدف إعادة السيطرة السياسية - مهما كلف ثمنها - إلى النظام الذي زرع بذور الإرهاب في المقام الأول. وبدقة أكثر فإن هدف روسيا الآن - بعدما قامت لفترة طويلة بتقديم مساعداتها عن بُعد - أن تنقذَ الدكتاتورية التي وصفتها السلطات الأميركية والفرنسية بالمسؤولة عن مقتل 260000 شخصاً منذ 2011. ولا شك أن أسلوب النظام كان له الإسهام الكبير في ظهور داعش المرعب أيضاً، مما شكل ورقة اللعب الرابحة في يد الأسد ليحظى بالدعم الدولي في مواجهة داعش، ومما أعطى روسيا أيضاً ورقة التين لتغطي هجماتها.

قد يقول البعض إن ما "فات قد مات" وأن التدخل الروسي، في ضوء الأزمة السورية بشكل عام، قد يفيد في وقف السقوط الحر لهذه الدولة في أعماق الهاوية. لكن هجمة بوتين - الذي يطبق أساليب مجربة في حربين خاضهما في الشيشان، والذي لا يكترث بالتدابير والاحتياطات العسكرية التي اتخذتها الدول الغربية - ستكون نتيجتها الأولى زيادة - وليس إنقاص - عدد الضحايا من المدنيين.

لقد كان مع دول العالم كل الحق عندما هلعت أمام غلطة أميركا الأخيرة في ضربها مستشفى "أطباء بلا حدود" في قندوز بأفغانستان، لكن ترى كم قندوزاً سورياً سنرى على يد الهجمات الروسية إن استمر الكرملين باستخدام المتفجرات بدلاً من الصواريخ الموجهة؟ (هذه فقط واحدة من تكتيكات روسيا، لكنها تكشف إلى أي مدى ينوي بوتين المضي في آخر مغامراته خارج البلاد).

وترى هل هناك من يصدق ولو للحظة أن التدخل الروسي سيقلل مشكلة اللاجئين السوريين بدلاً من زيادة طينها بِلة؟ إن طرق بوتين تجبر عشرات الآلاف من المدنيين على الهرب من الضربات الجوية التي لا تفرق بين عدو وصديق، مما يفتح الباب أمام فرق الموت التابعة لنظام ظهرت عليه في الأشهر الأخيرة علامات التعب، مما يجعل الأمل يتلاشى بتخصيص مناطق آمنة فاعلة في شمال الأردن وجنوب تركيا.

وهكذا سيغدو حتى آخر الثابتين في وجه النظام من أفراد المعارضة على طرقات الهجرة إلى أوروبا، واسمع كلامي جيداً وانتبه فهم لن يتجهوا أبداً إلى روسيا، فبعكس ألمانيا أو فرنسا لن يتورع بوتين عن إغلاق الباب وإيصاده في وجه لاجئي غد الذين يرهبهم بسلاحه.

كما ليس لدى بوتين أدنى حرج من دوافعه ونواياه في سوريا، ففي خبر تناقله الإعلام الروسي ولم يلقِ الغرب له بالاً، قامت روسيا بنقل حاملة صواريخها "موسكفا" التي تحمل عشرات الصواريخ المضادة للطائرات إلى ميناء اللاذقية.
لكن داعش لم تقم من وراء ظهر الجميع--عدا بوتين--بالحصول على قوات جوية لكي نحتاج لتدميرها. على العكس، يظهر أن الكرملين سيرى هدفاً سائغاً مشروعاً في أي طائرة تمر عبر أراضي يعدها خاضعة لسيطرته. ولأن أي طائرة من هذا القبيل ستكون حاملة للعلم الأميركي أو البريطاني أو الفرنسي أو التركي أو علم أي دولة من التحالف ضد داعش، فليس صعباً أبداً تصور كيف سيؤدي التدخل الروسي إلى تصعيد دولي لحرب سوريا الأهلية.

لحسن الحظ أن الأمور لم تصل إلى ذاك الحد بعد، لكن دعونا لا نتظاهر بأن عمليات روسيا العسكرية- والتي كانت دوماً وحتى تاريخه تهدف إلى تأمين السيطرة الروسية على المجال الجوي السوري وحماية مصالحها أرضاً- دعونا لا نتظاهر أن هذه العمليات الروسية تصب في إطار الجهود المبذولة لهزم داعش.
بوتين ليس مجرد لاعب بأعواد الثقاب يضرم النيران فحسب، بل إنه إمبريالي من الطراز القديم، والهدف من عمليته في سوريا جزئياً هو لفت الأنظار بعيداً عن تقطيعه لأوصال أوكرانيا. كما أن تهديداته شبه الصريحة لدول البلطيق وبولندا وفنلندا والآن تركيا -والتي باتت طائرات الميغ تمشط مجالها الجوي وعلاقاتها مع الناتو على الدوام - كشفت استراتيجيته العدوانية، والتي تهدف أساساً إلى إضعاف أوروبا.

على الأوروبيين أن يفيقوا قبل أن تداهمهم مخططات بوتين قبل فوات الأوان، ففي فرنسا باتت نغمة التهدئة الغَرورة صيحةً وطنية للحشود من أقصى يمين الجبهة الوطنية وحتى أقصى اليسار، بل وحتى بين الأعداد المتزايدة من رجال سياسة الأغلبية من كل الطبقات. نعم لقد سعى الكرملين بدأب وتؤدة إلى تنمية أمناء حزب له في أوروبا، وهذه الشبكة ذات الخيوط غير المرئية باتت أقرب لـ"حزب بوتين" في أوروبا.

لو كان حزب بوتين مقتصراً على مخاطبة ديماغوجيي أوروبا الشعبيين المعتادين بدءاً من نايجل فاريج في بريطانيا وحتى فيكتور أوربان في المجر، لكان ذلك من التعاسة بمكان.لكن عندما يبدأ قادة نعدّهُم من رجال الدولة وأهل المسؤولية - مثل رئيس الوزراء الإيطالي ماتيو رنزي - بتسويغ أفعال بوتين، فعندها تكون أوروبا قد دخلت خطر زعزعة الأرضية الصلبة المتينة التي بنت عليها اتحادها ووفرتها الاقتصادية.

المصدر