المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أسامة بن المختار Headshot

أيديولوجيا الشطرنج

تم النشر: تم التحديث:

"في الشطرنج كما في الموت، بعد نهاية اللعب يوضع الملك والعسكري في صندوق واحد" أنيس منصور.

كلما شاهدت رقعة الشطرنج إلا وغاصت بي ذاكرتي في أعماق النوستالجيا؛ لأجد نفسي منغمساً في مشاهدة شوط من أشواط الشطرنج بين أبي وجدي.

لا أعلم السر وراء تذكري للنظرات الكاسحة، التفكير العميق، الحركات الناعمة، الدخان المتناثر من غليون جدي وقهقهات أبي.. بمجرد توجه جدِّي نحو المكتبة وحمله للصندوق الخاص بلعبة الشطرنج إلا وتجدني ضارباً كل أحلامي المبنية بلعبة "الليغو" عرض الحائط، وجلست القرفصاء لمشاهدة أطوار لعبة استهوتني وجذبتني كرسائل الغرام وحكايات ألف ليلة وليلة.

ركن جميل يدفعك للاسترخاء والتأمل، طاولة رخامية، كراسي طراز عثماني ومكتبة خشبية كلاسيكية تتماشى مع ديكور المنزل، أتذكر جيداً كيف كان جدي يضع الرقعة وسط الطاولة، ويأخذ بيدقين من لونين مختلفين يحركهما جيداً في يديه ثم يضع واحداً في يده اليمنى والآخر في يده اليسرى، ويطلب من أبي الاختيار؛ ليتحدد بادئ الحرب.

حقاً لعبة تجسد الواقع، رغم كونها حرباً ذهنية خالية من إراقة الدماء، حرباً الكل ينظر لها من منظوره الخاص، تختلف محدداتها الجغرافية، والصناعية، والنفسية وكذا الفكرية.. كل حرب بين أبي وجدي كانت تزيدني خبرة وتجربة وتكشف أدواراً ومهام جديدة للرقعة والقطع، حتى تشكلت لديّ منظومة بأكملها:

الرقعة:
كرة أرضية وأرض للمعركة، مجتمع متوازن جميع الدول في الرقعة متشابهة ومتساوية من حيث الموارد الطبيعية والسياسية، والسياحية والاقتصادية، ولا تدخل للثقافة أو الطبيعة فيها، وأسماؤها محددة بالإحداثيات، عندما تتحدث فإنك تتحدث عن الرقعة بأكملها ليس عن مربع واحد بها، وعن تطور حضارته وعراقته وتاريخه وسياسته لوحده.

البيادق:
أهم عناصر الدولة والحلقة الأضعف على صعيد الكرة الأرضية، إنها الشعب المستهلك التابع ذو الحركة المحدودة الذي لا يستطيع أن يرجع إلى الخلف، أو ينظر إلى المستقبل.

الحصان:
وزارة الدفاع، أو وزارة الحرب، تبقى الإمكانيات متفاوتة حسب طبيعة الدولة، وكلما كانت وزارة الدفاع قوية زادت فرص الفوز والسطو والتجبر، فلا يمكن أن نقارن دولة تعطي لأحصنتها علفاً مكوناً من الكيماوي والنووي وتحارب بترسانة من الأحصنة الجوية والبرية والبحرية، مع دولة لم توفر حتى الغذاء لبيادقها، فما بالك بتعليف أحصنتها كل ما تتوفر عليه هو علف الحجارة والدعاء.

الفيل:
يعتبر السياسة والدستور الذي يتحرك في جميع الاتجاهات، وله أوجه عديدة، يتجه باتجاه قطري، يلبس لباس الرأسمالية ويرجع بلباس الاشتراكية، وقد يكون يمينياً ويصبح يسارياً، والعكس صحيح، يتحدث بلغة الخشب، ويدفع البيادق إلى التضحية، ويطالبهم بالصبر والتضامن والتبعية.

القلعة:
الهياكل والمنظمات اللازمة لتفعيل وتحريك عجلة المجتمع، مجموع المرافق والخدمات؛ لكي يعمل الاقتصاد، فكلما كانت البنيات التحتية للدولة متوافرة ومتطورة من مستشفيات وفنادق طرق ومواصلات ومطارات وجسور وسدود ومصانع ومنشآت عسكرية، كان الهيكل الكلي للدولة في تطور وتنمية، ويلبي متطلبات الحياة اليومية.

الملكة:
تتميز بالحرية التامة، ولها حصانة خاصة، وامتيازات لا حصر لها، وتتحكم بشكل كبير في الرقعة، تمارس سيادتها وتخلط الأوراق كيفما تشاء، تقرر الصفقات، تسن القوانين وتتحكم في النظام السياسي، وهي المحرك والبنك المركزي للدولة.

الملك:
القطعة الأهم في الرقعة هو الكيان الشامل، وله الوصاية على جميع المؤسسات، وكل أعضاء المجتمع باعتبارهم مواطنين، كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، ويعتبر بمثابة الجوكر بأوراق اللعب، فهو كيان دائم تتعاقب عليه الحكومات، ويستمر في التوسع والاستقرار مع بعض التعديلات، يعتبر نظاماً محايداً سياسياً تحصيناً له من التقلبات المناخية والأيديولوجية للحكومات، وبأسره تنتهي اللعبة، وتنهار الدولة.

في الشطرنج نرى أنفسنا، ولكن في صورة مختلفة، يختفي من خلالها كل طيش وتعثر مع إلغاء جل أوجه العداوة، والتعصب العرقي، أو القبلي أو المذهبي؛ لتعم في الروح الإنسانية السكينة والفضيلة، وتختفي أيديولوجياتنا فنتحرر من ضيق أنفسنا، ويلتقي الدافع الداخلي والخارجي في وعي موحد؛ لتتشكل الحقيقة، وهنا تكمن أيديولوجيا الشطرنج.

عند سماعي جملة "كش مات"، إلا وتتأرجح كلمات جدي تباعاً: "الحرب سجال يا ولدي، وفي الحرب معارك ضارية، فيها كروفر، إقبال وإدبار.. الرقعة طاحونة هوائية، وفي يوم من الأيام ستقف عندك، وستفعل بك ما فعلته بغيرك، وستفعل بغيرك ما فعلته بك".

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.