المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

بلكبير بومدين  Headshot

الفساد الأكبر والفساد الأصغر

تم النشر: تم التحديث:

عندما يتكلّم الناس في كلّ شيء، وهم في أغلب الأحيان متذمرون، ينتقدون، يلعنون، كل تفاصيل الحياة التي يعيشونها. فلا يخلو مجمع من الناس، إلا ونجد مجوعةً من الأفراد أو واحداً منهم، يتكلم بمرارة شديدة عن واقع الحال الذي وصلنا له، وكأنه خبير بدقائق الأمور، كبائرها وصغائرها، لا يفوته شيء ولا تخفى عليه خافية.

ليس هذا بالشيء المستجدّ بل هي ممارسات وسلوكيات أصبحت جزءًا من نمط عيشنا، ولا يمكن فصلها عن طبيعة مجتمعنا، لأننا أصبحنا كما يقال ظاهرة صوتية، نتكلم، ونتكلم، ثم نتكلم، فقط، ثم ننفضّ وننصرف من مجامعنا ولا نطبق ما نقول.

في أحد المرات كنت في سيارة أجرة، وكان رجل كهلٌ يتكلم بحرقة عن مسؤولية الحكومة فيما وصلنا إليه من حال متردية، وكيف ساهم ذلك في صعود "البقارة" ورجال المال والانتهازيين إلى البرلمان، مخصصا كلامه على أحد النواب في ولايتنا، والذي كان هو من أشرف على اختباره، منذ زمن في الشركة التي كان يعمل بها، ولم يمنحه النجاح بسبب تدني مستواه. فيقول صاحبنا بألم، أن هذا الشخص الفاشل هو اليوم ممثل للشعب بفضل علاقاته مع رئيس الحكومة، قاطعته قائلا يا سيدي أنا كنت شاهدا على تلك الانتخابات، تابعت مجرياتها في مراكز عديدة، وتفحصت المحاضر بأم عيني، فلم أجد تجاوزات كبيرة متعلقة بالتزوير، إنما هذا الشخص وظف مركزه الوظيفي واشترى الأصوات بالمال، فحتى النساء صوتن له، ونال نسبة أهلته للنزول إلى البرلمان. وأضفت، فالمشكلة هي في الناس الذين منحوه أصواتهم، أكثر من أي شيء آخر، فتكلم شاب بجانبي في السيارة وقال، إنني رأيت هذا النائب، يقف أمام الناس ويعدهم بالسكنات، فقلت إن موعد الانتخابات البرلمانية أصبح قريباً، فقاطعتني سيدة كانت معنا في السيارة قائلة، أنا بصراحة لا دخل لي بالسياسة، لو يمنحني هذا الشخص سكناً سأعطيه صوتي، لأنني أعاني ولا يقدر المعاناة إلا من يعيش تحت نارها.. توقفت السيارة، ثم نزلنا، وكل واحد فينا راح إلى حال سبيله.

أكبر كابح وقاتل للتغيير، هو الفساد، وإن صحّ التعبير يمكننا أن نجزم أنّه عندنا نوعان من الفساد، فساد أكبر وفساد أصغر؛ الفساد الأكبر هو الفساد الذي تنتشر عدواه بين نسبة مهمة من أفراد المجتمع، والفساد الأصغر هو الذي يصيب بعض رجال الحكم والسياسة. والفساد الأكبر أخطر بكثير من الفساد الأصغر، كما تدل عليه التسمية التي وصفناه بها. لكن هذا لا يعني أبداً نفي خطر فساد رجال النفوذ وأصحاب المناصب والمسؤوليات الكبيرة، بل بالعكس. علماً أنَّ استشراء الفساد بين أبناء المجتمع هو نتيجة لفساد الإدارة والحكم، وفي نفس الوقت هو سبب لبقاء ونمو وانتشار فساد رجال النفوذ والسياسة.

من الأوصاف الشائعة التي كثيرا ما نسمعها تردد بين الناس في الجزائر هي "شعب فقير في بلد غني"، فالمشكلة إذاً لا تكمن في ندرة المال بل في استشراء الفساد في كافة مستويات المجتمع وقطاعات الدولة.

لقد خصصت ميزانيات كبيرة في السنوات الأخيرة الماضية، لبرامج الإنعاش الاقتصادي المتعددة، لكنها وللأسف فشلت في الوصول إلى الأهداف المنتظرة. فلو استثمرت هذه المئات من ملايير الدولارات في مكان آخر لساهمت في إنعاش اقتصاد قارة بأكملها وليس اقتصاد بلد فقط بحجم الجزائر.

الفساد لم يقتصر فقط على المستويات الإدارية العليا في المشاريع الكبرى فقد امتد وتغلغل في كل المستويات أفقيا وعموديا وفي كل الاتجاهات حتى أصبح السمة البارزة في كل ما يرتبط بالحياة اليومية للفرد في المجتمع. فالصحف في كل يوم تعرض علينا عشرات القضايا التي تورط فيها المسؤولون في المؤسسات والهيئات المتنوعة ومختلف الأفراد مهما كان وضعهم. كما أنَّ التقارير الدولية دائما ما تضعنا في المراتب الأولى فيما يتعلق بمؤشر الفساد والرشوة.

من بين أهم النتائج التي توصلت إليها دراسة مهمة أجراها خبراء في المركز العربي للأبحاث والدراسات في العام 2011، تضمنت عينة مكونة من أكثر من 16000 مستجوب في 12 بلدا عربيا من بينها الجزائر، أن نسبة مهمة من الجزائريين قدرها 50 بالمائة تؤكد على انتشار الفساد في الجزائر، كما خلصت الدراسة إلى أنَّ أكثر من 55 بالمائة من الجزائريين لا يعتقدون أن السلطات الحكومية تقوم بخطوات وإجراءات جادة في مكافحة الفساد.