المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

بلال محمد Headshot

النزعة الأخيرة

تم النشر: تم التحديث:

في مثل هذه الأيام منذ خمس سنوات كانت لحظة فارقة في حياتي، عندما شاهدت جدتي لأمي، وهي تفارق الحياة أمام عينيّ، بعد جلستنا أنا وهي معاً للسحور وتلاوة القرآن، ثم صلاة الفجر، ثم الضحى، كما هي عادتنا، ولكنها للأسف لم تنتظر صلاة الضحى هذه الليلة، ذهبتُ إلى غرفتي بعد صلاة الفجر وانتظرتها تناديني؛ لنصلي الضحى، ولكن لم يحدث هذا، فقد ناداني صوت سعالها القوي من أعلى فنزلت، أسألها ماذا يحدث؟ فتمنعها قوة السعال من الرد، فإذا بها تفارق الحياة، حاولت إنكار ما يحدث مرات عديدة، ولكن ذهاب خالي بها إلى المشفى والعودة بها كما ذهبت مفارقة الحياة، شعرت بالصدمة حينما حملوها، وهنا أردت أن تعود سيرتها الأولى، حينما كانت تراني، وتقول لي: "خس شوية بقى".
أحسست أن آخر طرف لي بالدنيا قد انقطع، ولم يعد هناك مَن يكون مصدر حنانٍ في هذه الدنيا، ولا مَن يدافع عني مِمن كانو يريدون مصلحتي ليلَ نهار وفي كل وقت.

ثم بدأت الإجراءات العادية، توافد المعُزون على المنزل، ممن أعرفهم ولا أعرفهم، وعلى الرغم من هذا العدد الكبير من الناس، لم أكن أرى سواها، ممددة على السرير، تنتظر الغسل والتكفين، والتشييع والدفن، بجوار مَن أحببت أنا وهي، جدي الذي أمضيت معه وقتاً قصيراً جداً قبل أن يموت، وعلى ما أتذكر، كان يحبني كثيراً بصفتي الحفيد الأول في العائلة، كانت الصدمة صدمتين، حينما تحدثوا عن "المعضمية"، وهي جمع ما تبقى من عظام في المدفن ووضعها في أقمشة بيضاء تشبه قماش الكفن، وكتابة الأسماء عليها، ووضعها في حوض مصنوع من الحجر داخل المدفن، حتى يكتمل تحليلها ويتسع مكان إذا مات أحد آخر، عندما فكرت أنني في يوم من الأيام سأكون في مثل هذا المكان.

ومنذ هذه اللحظة أصبحت أنظر للناس بشكل مختلف وغريب، أصبحت أنظر للناس في ما بعد موتهم، وبدأت في قياس كل ما رأيته على كل مَن أنظر إليه، وعشت في صدمة لمدة ليست بالقصيرة، قمنا بدفنها وتركناها وحيدة وعدنا للمنزل، وعندما وضعت قدمي داخل المنزل شممت رائحة غريبة لا أعرف ما هي، ولم أعرف حتى الآن، ظلت هذه الرائحة تراودني لمدة طويلة، بدأت في سؤال كل مَن كانوا حولي، ولكن لا أحد كان يشتم هذه الرائحة سواي، وبعد يومين من وفاتها كنت أول من جاءت له جدتي في الحلم، رغم أنه من النادر جداً أن أحلم أو أرى شيئاً في منامي، وجدت نفسي أمام منزل جدي في بلدة ريفية، وكان الباب مفتوحاً، فقمت بالدخول لحوش المنزل وبعدها للمنزل وجدت نفسي نائماً ومغطى بالكامل بغطاء أبيض، فجاءت هي وأيقظتني، ثم قالت لي: "قوم بقى كفاية كده"، ونامت بجواري وغطت نفسها بالغطاء الأبيض، ولكن لم تستيقظ مرة أخرى، استيقظت بعدها وتيقنت تماماً أنها قد ماتت، ولن أراها مرة أخرى، ويجب عليَّ أن أكمل مشوار الحياة الطويل وحدي، وبدأت أتذكر كل شيء طيب فعلَته معي، وأبكي.

وظللت أتردد على مدفنها برغم ما قيل عن زيارة المدافن وحيداً، أما الآن فلا أستطيع سوى الدعاء لها بالرحمة والمغفرة، ولكن من قارة أخرى.

ظللت كثيراً من بعد ما حدث مضطرباً، ولا أتحدث كثيراً مع أحد، وظننت أن الحياة انتهت، وأصبح لا معنى لها؛ لأنها باختصار كانت كل حياتي منذ صغري، ولكن بدأت أرى أمي بشكل مختلف بعد وفاة جدتي، وبدأت أعرف أنها تحبني، وهي في الأصل تحبني، وضحت كثيراً من أجلي أنا وأخي، ولن أستطيع يوماً من الأيام الوفاء ولو بجزء بسيط من حقها علي، ولكن شدة تعلقي بجدتي منذ صغري لم تلفت انتباهي لهذه الأمور، ولكن بعد وفاة جدتي رأيت أشياء كثيرة لم أرَها من قبل.

ختاماً، الحياة عبارة عن محطات، وكل محطة تقف بها من هذه المحطات تُحدث تغيرات في حياتنا يجب التأقلم معها مهما كانت الظروف؛ لأن في بعض الأحيان ليس أمامنا خيارات سوى التأقلم على أي حال، ومهما تعلقنا بأشخاص عزيزين للغاية علينا، فلن يدوموا لنا في هذه الحياة الفارغة، وإن أردت رؤيتهم مرة أخرى فعليك بالعمل الصالح حتى تشفع لهم عند رب كريم، أو تكون معهم في جنة خالدة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.