المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

بيان بلال عاروري Headshot

احترسوا من "وباء" القولبة

تم النشر: تم التحديث:

وباء القوالب !
أعاني من رُهاب الأماكن الضيّقة بما في ذلك التصنيفات والقيود الفكرية التي يُقحمني بها الآخرين قسراً!
أتساءل، لماذا في طفولتنا زَرَعَ فينا التلفاز أن الإنسان المثقف يظهر بشخصية غريبة الأطوار ونظارات طبيّة بإطار مخيف، وتسريحة شعر طفوليّة ويأتي مجاناً لتكتمل حزمة المثقف تقويم أسنان، ولديه إجابات عن كل الأسئلة تماماً كالرجل الآلي، ويميل غالباً إلى الإنعزال والوحدة وشُح واضح في عدد الأصدقاء.

وماذا لو تحدثت أمامك عن فنان تشكيلي، سيتبادر إلى ذهنك تلقائياَ بأنه إنسان غامض يرتدي معطف جلدي طويل ويصل ليله بنهاره وهو مرابطٌ في المقهى، وأمامه العشرات من أعقاب السجائر وغالباً هو محطَّم عاطفيّاً! ولكن في الحقيقة لديّ صديق يملك هذه الموهبة ولكنّه مهذب وسلوكه راقٍ، وناجحٌ في أسرته، ويعتبر قدوة في محيطه، لا وبل مؤمن بعقيدته ومُلتزم بشعائرها أياً كانت.

وغالباً ما يرسم لنا التلفاز صورة الجدّة الحنون والتي تحيك الصوف على كرسيّها الهزّاز أمام المدفأة بمودةٍ دائمة، تَخبز الكعك والفطائر بحبّ، وتحكي لنا الحكايات؛ ولكن جدّة صديقتي ذات طابع قاسِ وملامح مخيفةٍ، ويشوب الحِقد قلبها كأيّ بشري ولم تخبز كعكاً أبداً، وتتفوق عليها شقيقتي الصغيرة بمخزون الحكايات في جعبتها !

إذن الثقافة ليست مرادفاً للقبح، كما أن الفنّ لا يهشّم الأخلاق، ولا كل الجدّات مُحِبّات ولَسْنَ أيضاً شريرات!.

وكأننا نعيش في قوالب جاهزة بشكلٍ ممل، ونرضى بتهميش التجربة والقبول بالمتعارف عليه، ونسلّم عقلنا للغير حتى يرسم لنا طريقة تفكيرنا بالآخر وعلى أيّ المعايير يجب أن نُصنفه سريعاً .

الموضوع بالنسبة لي يتجاوز مسألة عرض شخصيات كرتونية ونثرها على الواقع لنشاهدها في شاشة مربّعة وانتهى الأمر؛ بل يصل إلى نَقش صورة الأشخاص وشخصياتهم وحفرها بطريقة رهيبة في عقولنا المعجونيّة، وإجبارنا على الرضوخ لهذه القوالب، لنسلّم لها مع مرور الوقت، ونكاد نؤمن بأنّنا نستطيع التكيّف مع الجميع وفقاً لتصنيفاتنا اللحظيّة لهم وإطلاق عدد لا نهائي من الأحكام الركيكة، ووضع الطرف الآخر تحت مقصلة آرائنا، كوننا نعتقد ببلاهة أننا نمتلك قاعدة بيانات عالميّة مخزنة في عقولنا مسبقاً وكل ما علينا هو البحث الفوري في هذه القاعدة وبكبسة زر!.

ولكن فيما بعد نكتشف ببساطة بأننا عالقون في دوامات التعميم السيئة، مُغالطات كريهة في معظم المواقف، حتى لو كنّا ضحايا شخصيات الكرتون ولهذا نحن نعيش على هذه القوالب والتصنيفات عديمة الجدوى؛ مهما كانت الأسباب وأياً كان الفاعل علينا أن ندرك مبكراً بأن لا أحد يجب أن يتحمل هذه النتيجة الكارثيّة!

تعرّف على أشخاص جدد بدون أدنى توقّع أو سيناريو جاهز وباهت، اكسر كل التصنيفات الركيكة، وخذ كل علاقة بشكلٍ منفرد، وابدأ بملامسة أرواحهم كلاً على حدة، واكتشف لوحدك ماذا يحبّون وما الذي يثير اهتمامهم، مزايا شخصيتهم ونقاطهم السوداء ولا تقبل أن يتحكم بك دليل استعالامات البشر لأن وجوده محض أسطورة.

فالموضوع لا يشبه أبداً مبدأ أحجار الدومينو فلا يمكن لعِرقِ أو مهنة أو فكرة تجذب اهتمامنا أو حتى طَبع أن يدفعنا - إن لم نُرد نحن ذلك - نحو عشرات الصفات الأخرى لأنه لا يوجد صفة تُعتبر متطلب سابق لصفة أخرى ولا ضرورة لازمة لها. حافظ على مقاومة داخليّة ورغبة شرسة للحفاظ على الآخرين، وهويّاتهم، وعلاقتك الدافئة بهم، واحمِ حجرة تفكيرك من وباء القوالب والتصنيفات الشاحب .

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.