المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

بيان عنوز Headshot

عن الفشل وخيبة الأمل

تم النشر: تم التحديث:

تعرفت إلى موقع هافينغتون بوست أول مرة عبر هاشتاغ #الفشل_علمني ، وفكرت في بعض التجارب الفاشلة في حياتي لأكتب عنها، ولكنني وجدت أن هناك ما يعلّم الإنسان أكثر من الفشل، هناك ما يجعل بعض المواقف ليست مجرّد ذكرى في عقل إنسان ما فحسب، وإنما بصمة محفورة لا تُنسى طيلة حياته.. إنها في الحقيقة: خيبة الأمل..

ولأنني أرى أنّ هناك فرقا بين الفشل وخيبة الأمل كتبت هذا المقال، لربّما الفشل هو الخطأ الذي يكون لك يد فيه، هو أن تريد القيام بشيء ما، ثم تخلّ بأحد شروطه فتفشل، تفشل ببساطة لأنّ شروط النجاح ليست مكتملة، والسبب أنت..
أمّا خيبة الأمل فهي أن تستجمع كل قواك لتنجح، أن تكافح بعنف وتحقق كل شروط النجاح ثم.. تصاب بخيبة أمل!
أعتقد أن خيبة الأمل موجعة أكثر، وربما هي تعلّم أكثر، فإذا كنت تعلم سبب فشلك، فإنك لا تدري لمَ خاب أملك!

ربما حين تفشل تستطيع أن تعيد الكرّة وتتعلم من كل أخطائك فتنجح!
وقد يكون لك مع الفشل تجارب مثيرة، خاصة أولئك الذين يخوضون في مجالات جديدة لأول مرة، سيكون الفشل معلما ممتازا لهم..
أمّا خيبة الأمل، فلا!

خيبة الأمل هي لعبة القدر معك، لا يد لك فيها ولا خيار، هي أن تسعى للإتقان والكمال، وتمزق نفسك إربا على جنبات الطريق لكي تصل وتحقق الغاية، رغم ذلك قد لا يحابيك القدر!
فشلك تجده في ذاتك، وخيبة أملك قد تتعدّاك، وكما يحل الفشل في أبسط أمورك، قد يخيب أملك في أصغرها وحتى أعظمها..

فشلك في ابن لم تحسن تربيته، وفي صديق لم تجتهد عند اختياره، وفي طبق حلوى لم تحفظ مقاديره، وفي موعد لم تخطط لدقّته، وفي امتحان لم تتقن تحضيره.
وخيبتك في ابن ربّيته، وصديق للزمان ادّخرته، وطبق حلوى بإتقان أعددته، وفي موعد خططتَ له، وامتحان اجتهدت له، ورغم ذلك ضلّ النجاح طريقه إليك، ووقعت الخيبة على أعمالك.
فإذا لمت نفسك في فشلك، فمن تلوم في خيبتك؟!

إذا كانت مرارة الفشل تعلّمنا بعض التفاصيل التي علينا إتمامها لنصل إلى النجاح، إذا كانت تعلمنا جزئيات صغيرة أهملناها، فإن حرقة خيبة الأمل تعلمنا مبادئ الحياة بعمقها وعظمتها وخلودها.

إنها تعلمنا الصبر، وقوة الاحتمال، والقدرة على الانتظار، والكفّ عن التذمّر في ذلك الوقت، تعلمنا الكتمان لقضاء الحوائج، تعلمنا التوكّل والرضى، بل تصبّ في عقولنا معنى قول الشاعر: ما كل ما يتمنى المرء يدركه، لأنه ببساطة قد لا يكون له، لأن الله لم يكتب له ذلك، أو لأنّ الوقت لم يحنْ بعد..
الخيبة تعلمنا أن لله في كل قدرٍ حكمة، وأن الله غالب على أمره، وأنّ الأمل الحقيقي هو ما اقترن بالعمل، لا مجرد أمنيات واهية، وأضغاث أحلام وجري وراء السراب.
الخيبة، أن تكون لنا قصص نرويها، وحكايات موجعة، بقدر ما فيها من معاناة وألم، بقدر ما جانبنا الحظ فيها، وعاكسنا القدر..

الذين يكدحون في الحياة لهم قصص بقدر خيباتهم، وأولئك المحظوظون الذين يجتازون من المرة الأولى لا يملكون قصصا ولا تجارب.
التجارب تصقل الإنسان وتقوّيه، وبقدر ما يصل فيها إلى طريق مسدود مرة بعد مرة بقدر ما يحفظ معالم الطريق..

هل ذقت حلاوة الوصول إلى شيء كنت تظنه مستحيلا؟!
ذلك ما أتحدث عنه، في غمرة حزنك ستأكل تساؤلاتك رأسَك، وسيوقِـّع القلق والخوف على سهرك وطول لياليك.. لماذا؟ لماذا أنا؟ كيف حدث هذا؟ لمَ لمْ أصل إلى ما أريد؟ لمَ كتبت عليّ ذلك يا ربّ؟!
ربما لا تجد لذلك جوابا شافيا، وربما تعرف الحكمة إذا تبدّل لك أمر بأمر وقدر بقدر..
هنا فقط تكتمل قصتك وتصبح صالحة للرواية..

هناك حيث تتمدّد على سرير من النعم، وتحت غطاء وثير من الطمأنينة وهدوء البال ستغمض عينيك بيقين، وتتنهد وتقول.. حمدا وشكرا لقد فهمت وعرفت ووصلت
القدر قدرك ياالله، والإرادة لك، وما بين المشهدين ستبدو خيبة الأمل مجرد فصل أول في حكايتك، لها ما يتلوها.

لا تنظر أيها الإنسان إلى لحظتك، إلى خيبة أملك، إلى ضيق صدرك، بل استشرف مستقبلك بيقين، واعلم أن ما كتب لك سيأتيك ولو بعد حين..
تذكر أن تحفظ فصول حكايتك جيّدا، فمع النهاية تحلو الحكاية، والكادحون هم الذين يمتلكون قصصا مثيرة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.