المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

بتول محمد الطياري Headshot

مجتمع العبث‎

تم النشر: تم التحديث:

حين أسرح بخيالي في عالمي الخاص أرى أشياء غريبة حالمه تسبح بحرية في أمواج من أحلام اليقظة الجميلة، أرى عالماً خاصاً بي أنا مميزاً بقواعد وقوانين وأصنعها بنفسي، أتنفس فيه حباً وتسامحاً، أتنفس فيه أحلاماً كثيرة تغوص بعقلي ووجداني في المستقبل، يترسم على شعاع من الشمس يضيء سويداء قلبي وأفكاري.

ولكن عندما أرى الواقع بكل ما يحمله من حواجز تحجب خيط النور الوحيد المنبعث من شمس الأمل في قلوبنا، أقول: أتمنى أن أعيش وحدي، أتغلغل جوّا روحي وأسافر بها بعيداً عن مجتمع عبثي بكل ما يحمله من عادات وتقاليد بالية ومهترئة، وأفاجأ بخوفي الشديد على نفسي وأحلامي من كيان مجتمعي ممتلئ بالكره والبغضاء والجهل.

كيان يؤمن فقط بالدجل والشعوذة، كيان يخشى من فزاعة (الناس هيقولوا)، ولا يخشى من الإيمان بأن (ربنا شايفنا) فتأتيك المصائب على هيئة مجتمع عليل لا يعرف الدين ولا الحب ولا التسامح، مجتمع يتفنن جيداً في الإهانة والإساءة والتبجح، مجتمع لا يتقبل فكري الرأي والرأي الآخر لا بل يدعم القيد الفكري والانكسار الشخصي والجهل والتخلف، مجتمع هدام لا بنّاء في كل مناحي الحياة الشخصية والفكرية والثقافية والإبداعية، ولكني فعلاً أشفق عليه كثيراً كيف لا يعرف أن يكون منصفاً وعادلاً مع أبنائه.

وحينما أفكر ملياً في أن هذا المجتمع يحتاج إلى أعمدة وبنيان سليم كي يعود إلى عزته ومجده أن تجتاحه فكرة عدم تقبل الهزيمة ضد أي ظروف أو معوقات.

تربيت في مجتمع لا يبدع ولا يبتكر هو يستنزف روحي وطاقتي بعدم احترامه؛ كوني إنسانة لي حقوق وعليَّ واجبات.. كوميديا سوداء عندما يربي المجتمع الفرد على العيب ولا يربيه على أن الله مطلع علينا.

قلت لكم: أشفق عليه كثيراً يتعامل مع الرجل بأن له مطلق الحرية في كل شيء حتى الخطأ مباح، أما المرأة فهي عورة وخزي عليه حتى لو طالبت بجزء من حقوقها المشروعة تقابل استنكاراً يصل إلى حد السخرية والتوبيخ.

هل رأيتم قبل ذلك مجتمعاً يتسبب في انتحار إنسان ليس له أي ذنب سوى أنه وُلد في مجتمع معاق وليس له ذنب أيضاً أنه وُلد في أسرة مشتتة، أماً وأباً، ولا يفكرون في أبنائهم ولا يعرفون أقل حقوقهم، فيتعاملون بكل جهل وسطحية وإساءة، فتكون النتيجة أجيالاً مشوهة عقلياً ونفسياً ولا تستطيع أن ترى بارقة أمل واحدة في طريق نجاحها وتقدمها.

نريد أن نصبح رمزاً في هذا المجتمع ونحيا بالأخلاق أولاً، ونتعامل بكل احترام مع بعضنا البعض، لكن في مجتمعي يخجلون من البكاء وتتعالى أبواق السخرية من ذلك بقولهم لا تبكِ أنت رجل عيب حتى الرجل له الحق الكامل في التعبير عن مشاعره بالطريقة التي يراها مناسبة له يبكي يصرخ يملأ الدنيا سخطاً وعضباً أنت لست رقيباً عليه.

أما البنت فلا يجوز لها الضحك بصوت عالٍ حتى لا يسمعها الجيران فتكون فتاة غير مهذبة ولا تعرف عن الأخلاق شيئاً.

وفي مجتمع العبث إذا أحب الرجل أن يساعد زوجته في الأعمال المنزلية المعتادة بدافع حقيقي من الحب والاحتواء والمشاركة الوجدانية والعملية في أعمالها الشاقة يقولون عنه (معلش أصله شورِتها)أو (وهتسمي العيال على اسم أبوهم ولا أمهم).

مَن المغفل الذي قيم الرجولة بأنها تواكل على الطرف الآخر.. إنها عدم المساعدة وتقديم العون لأهل بيتك ومنتهى السخرية العبثية إذا كنت إنساناً طيب القلب تضج ألسنتهم بقول (معلش أصله غلبان على نياته)(هيضحكوا عليك يا عبيط).

في مجتمعي أشخاص إن كانوا يطمحون لشيء حاولوا إحباطه وإطفاء جذوة الأمل في قلوبهم، ومن طرائف هذا المجتمع عندما يمدح ويثني على شخص تخرس الألسنة وكأن على رؤوسهم الطير.

أما إذا ذكرت سيئة واحدة يفتتح سوق عكاظ على مرأى ومسمع من الجميع في وصف مساوئ هذا المسكين وأثره المدمر على من حوله.

في مجتمع العبث لا يهمهم أن ترتكب ذنباً المهم ألا يعلم به أحد، وإذا علموا به نصبوا أنفسهم قضاة عليك، وَيْحَكم ألا يوجد فيكم رجل رشيد، أم أنكم ملائكة مبرأون من كل ذنب، أرهقتم عقلي سامحكم الله في مجتمع العبث يقولون عن الحب إنه حرام.. والسب والشتائم حلال.. والعادات عبادات.. والعبادات جائزة.. والمرأة حرب.. والرجل سلطة.. والطيب غبي.. والواثق مغرور.. والموهبة تباهٍ وتفاخر على حساب الآخرين نعم إنه مجتمع العبث.

مجتمعنا معاق ويعيق من حوله بأفكار ليس لها علاقة ولا تمت بصلة إلى الواقع، مجتمعي عبثي غير قابل للأحلام يتشبث وبشدة بمقولة (الناس قالت والناس عادت)، فأهرب بفكري وروحي في عالم خاص بي بعيداً عن هذه العبثية المجتمعية.

أما الطامة الكبرى والمأساة الإغريقية والأعظم عندما تخونك قدماك وتذهب إلى مصلحة حكومية حينما تجتاحني الكوابيس وأصاب بدوار عنيف يضرب رأسي بلا هوادة، وأتساءل كيف تتقبلون أنفسكم بهذه الروتينية الكوميديه العجيبة؟!
وكأنها روح تنسل في أجسادهم وعروقهم ودمائهم فيتحولون إلى كائنات (روتينزومبية) وكأنه مشهد مكرر من فيلم (ألف مبروك) للعبقري أحمد حلمي حقاً.. ماذا دهاكم يا قوم؟!

مجتمع العبث الذي لا أستطيع أن أستنشق أبسط حقوقي فيه وإذا تم الاعتداء على حقوقك لفظياً أو جسدياً لا تستطيع استرداد حقك؛ لأنك ببساطة (ما عندكش واسطة).

نعم أشفق على هذا المجتمعي الهمجي الذي لا يعرف شيئاً عن أبسط حقوق الإنسان.. الخصوصية أنني كإنسان لي أفكاري وتوجهاتي وأحلامي وتطلعاتي ومبادئي وآرائي أمارسها بمنتهى الحرية التي منحني الله إياها.. ولكن كيف؟!

كيف تعيش بسوية في مجتمع مليء بالعبثية وللمرة الأخيرة، أو قد لا تكون الأخيرة، متى نتحرر من هذه القيود الشنيعة التي تحاوطنا وتفترس أرواحنا وأحلامنا؟!

لنا الله في مجتمع غاب فيه الضمير والحلم والعقل في مجتمع العبث.. هل يملك أحدكم حلاً؟

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.