المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

بسمة العوفي Headshot

غرام في المقبرة

تم النشر: تم التحديث:

كانت أول مرة رأيت صورته في كتاب مدرسي، صورة شاحبة فقيرة الألوان، لكنها جميلة، مصحوبة بعبارات عنه، لازلت أتذكرها جيدًا، وكان معها مجموعة صور بالأبيض والأسود أيضًا لمن وجدوا صورته الأولى، عندما فتح هاورد كارتر مقبرته لأول مرة عام 1922.

أنا أتحدث عن توت عنخ آمون، الملك الفرعوني الوسيم الذي أبهر العالم بقناعه، والذي أحببته منذ كنت طالبة في المدرسة، أرى صوره في الكتب، وأتشوق لمعرفة أي شيء عن مقبرته وكنوزه. وأتخيل نفسي مع فريق الباحثين أدخل المقابر لأول مرة، أبعد قدميّ عن الحشرات القاتلة، وأسعل بسبب التراب الكثيف، ثم أفتح عيناي على اتساعهما لأرى الألوان والنقوش التي حفظها الزمن، وأنظر إليها بدون شبع.

عندما اشترينا جهاز كمبيوتر لأول مرة في عام 2004 تقريبًا، أول مرة تعلمت استخدام الإنترنت، بحثت عن صور توت ومقبرته، كنت أفتح صورته وأتأملها لوقت طويل، أتأمل ملامح وجهه، الكحل في عينيه، نظرته، أحاول تخيل وجه الشاب خلف القناع، وأرسم له صورة من لحم ودم، وأتخيل أن هذا الشاب صاحب الـ19 عامًا، كان يحكم حضارة عظيمة مثل مصر.

بحثت عن قصته، قرأت تحليلات تشير إلى احتمال وفاته بالمرض، وقرأت أبحاثاً أخرى عن مقتله فشعرت بغصّة، كنت ولازلت شغوفة بالبحث عن كل ما نشر عن شكله وملامحه، والدراسات التي تحوم حول طبيعة حكمه وسبب نهايته.

كان توت صديقي طوال فترة المراهقة، كان فتى أحلامي، وكان أصدقائي في المدرسة يسخرون مني عندما نسأل بعضنا البعض عن فرسان أحلامنا، فالكل يقول مطربا أو ممثلا مشهورا أو لاعب كرة قدم، وكنت ببساطة أحب توت عنخ آمون. وكنت أحلم باليوم الذي أدرس فيه الآثار لأراه عن قرب، وأتعلم كيف أبحث عن المزيد من الكنوز والذهب المدفون تحت أرضنا، كنت أحلم باليوم الذي أصبح فيه عالمة آثار تعيش مع الفراعنة، تعرف لغتهم ورموزهم، تفكر مثلهم، وتزيح التراب عن وجوههم الجميلة وأعيدهم للحياة.

عين واحدة تطل على العالم

كبرت، وعندما جاء وقت الالتحاق بالجامعة سألت عن كلية الآثار ولكن ما سمعته أحبطني، فدرست الإعلام، ونسيت حلمي القديم بالعمل في مجال الآثار، لكني لم أنس حبي وشغفي بها. في بيتي الكثير من التحف والأشياء الفرعونية، وأحرص دائمًا على إهداء شيء فرعوني لأي صديق أو زائر غير مصري ألتقيه. أبحث عن أخبار الآثار، أتابع ما عثروا عليه، مرة تابوت، وأخرى سور مدينة، وتارة قطع أثرية، وأخرى برديات عريقة. في كل مرة يعثر فيها العلماء على شيء تمنيت لو أكون معهم.

مثلًا، قبل أيام أعلنت سلطات الآثار المصرية احتمالية وجود غرفة سرية في مقبرة توت عنخ آمون، وهذه الغرفة قد تكون مقبرة نفرتيتي جميلة الجميلات. نفرتيتي التي لا يوجد من لا يحبها، الجميلة السمراء صاحبة النظرة الثاقبة بعينها الواحدة، أردت أن أكون معهم، تمامًا كما أردت بشدة أن أراها في العاصمة الألمانية "برلين" عندما زرتها لكن المتحف كان مغلقًا، سألت صديقتي الألمانية عنها فقالت "موضوعة في غرفة بها إضاءة خافتة، محاطة بالكريستال، يمنعونك من التصوير أو أي أجهزة، لكنك بمجرد رؤيتها، ستذهلين حقًا، إنها مثل قلب نابض في حجرة مظلمة هادئة".

كانت تحرك مصريتي كلما رأيتها في برلين في كل مكان، في محطات المترو والشوارع والأسواق التجارية، فلحسن الحظ كان هناك مهرجان موسيقى اختار وجه نفرتيتي للتسويق له، بقبعة زرقاء كبيرة وعين يخرج منها النور. ورأيت النور يشعّ من عينها التي لا ترى، وكأنها مصدر الخير والجمال للعالم. فرحت كثيرًا بذلك، وكنت أحمل معي هدية "نفرتيتي صغيرة" لصديقتي الألمانية، فأعطيتها إياها، وفرحت أكثر عندما أطلقت عليها اسم "بسمة الصغيرة"، وشعرت بأن هناك شيئا أكبر يربطني بها، خاصة بعد ما رجح علماء الآثار احتمالية أن تكون الملكة هي والدة توت.

العصر الذهبي للفزع

في أوروبا، قتلتني الآثار المصرية المسروقة، ورأيت بعيني دولًا أخرى تتربح من تاريخنا وحضارتنا العريقة. وفي مصر، قتلني أكثر أني لم أجد من يهتم بذلك مثلما يفعل الغرب. في الأقصر، المدينة التي لا شبيه لها، وفي أسوان التي تحتوي على معابد لا يوجد مثلها في العالم، مثلها ككل مصر، مهملة وبدون خدمات، بينما تجد زوارًا يقطعون آلاف الأميال لزيارة المسلة المصرية في باريس! أو يلتقطون الصور أمام إحدى المسلات المصرية في روما! كان ينتابني القهر كلما رأيت ذلك.. ألسنا نحن أولى؟ أليس هذا تاريخنا وحضارتنا؟ ولكني كنت أعود وأسأل نفسي: "ماذا فعلنا لتاريخنا وحضارتنا؟!".

كلما قرأت عن قرب اكتشاف أثري جديد، دقّ قلبي بسرعة، خوفًا على إهمال المزيد. عندما عرفت بلصق ذقن توت عنخ آمون بمادة لاصقة رخيصة وغير مناسبة اشتعلت غضبًا، شعرت بأن شخصًا أهانني، وبأن هناك من يهزأ مني ومن عائلتي، وعندما رأيت التوابيت الفرعونية محمولة على الأكتاف أثناء نقلها مثل الأموات، شعرت بأنهم في طريقهم إلى موت آخر.

المهتمون بالاكتشافات الأثرية في العالم الآن في لحظة ترقب، لأنه بين لحظة وأخرى، قد يتم الكشف عن مقبرة فرعونية جديدة، وإزاحة الستار عن المزيد من الأسرار، وهو الأمر الذي يفرحني ويربكني في آن واحد، في الحقيقة، لا أعرف لماذا أكتب هذا المقال، لكنني فقط أحب الفراعنة، وأغار عليهم بشدة، وأفرح لأي اكتشاف جديد عنهم، وأحزن جدًا عندما يسرقهم خسيس أو يفرط فيهم نذل أو يهملهم مسؤول، وأشعر بأن لديّ علاقة وثيقة بتوت وعائلته، لقد كبرت على حبه وحب تاريخنا العريق، ويؤذيني أن أرى من لا يحافظ على ذلك، وفي أعتاب عصر ذهبي جديد من الاكتشافات والأسرار المدفونة، وهو أيضًا عصر الإرهاب والقتل والفزع، أتمنى أن نحافظ على ما وجدناه وما سنجده، لأن هناك الكثيرين ممن هم مثلي، الذين لايزالون يفخرون بمصريتهم وحضارتهم العريقة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.