المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

بسمة العوفي Headshot

الشجاعة التي تغلب الكثرة يوميًا

تم النشر: تم التحديث:

شاهدت قبل أيام فيلم "العمى" للنجمة جوليان مور، تدور قصة الفيلم حول وباء العمى الذي ينتشر بدون سبب، يصاب به كل أهل المدينة ما عدا امرأة واحدة تحب زوجها طبيب العيون الذي يصاب بالمرض أيضاً. تقرر البقاء معه في الحجر الصحي الذي قررته الحكومة، قبل أن تصاب البلاد كلها بالعمى، وتصبح هي المبصرة الوحيدة في المدينة بأكملها.

في الحجر الصحي رأت المرأة قاذروات وإهمالاً وجوعاً واغتصاباً واستغلالاً وقمامة، كل ما يمكنك أن تتخيله، أشياء لو رأيتها ربما لوددت أن تصاب بالمرض. في مشهد مؤثر بالفيلم، تقول السيدة "الشيء الأكثر رعبًا من العمى، هو أن تكون المبصر الوحيد بين الجميع".


مشهد 1


قديمًا في المدرسة، كنت الطالبة المصرية الوحيدة في مدرسة عربية بإحدى دول الخليج. عمري خمس سنوات وبضعة شهور. وكنت منذ صغري أحب شراء الأقلام والبرايات والمساطر الملونة مثل أغلب الأطفال، وكنت أحمل يوميًا إلى المدرسة مقلمة وردية كبيرة بها أنواع وماركات من الأقلام أستخدم كلاً منها في شيء ما، كنت أحبها كثيرًا لأنها كانت من اختياري ومن مصروف جيبي.

في يوم ما، كنت في حصة وخرجت المعلمة لتتحدث لإحدى زميلاتها، وكنت أكتب وألوّن شيئًا عندما فوجئت بمجموعة من البنات يخطفن مقلمتي بمحتوياتها، بكيت، وحاولت استرجاعها، ضحكوا عليّ، ورفضوا بالطبع. عندما عادت المعلمة أخبرتها، فطلبت منهم أن يرجعوها، لكنهم رفضوا وتقاذفوها واحدة للأخرى. قالت إحداهن "لقد اشتريتِ ما فيها من بلادنا، بأموالنا، إذا فهي ملكنا". بكيت كثيرًا، لم يكن ما يبكيني فقدان مقلمتي، ولا عجز معلمتي التي كنت أحبها، وشعرت حينها أنها أقل حيلة مني، ولكن شعوري العميق بالوحدة والعجز.

لم أسترجع المقلمة أبدًا، رغم أن المعلمة كانت في صفي، ولم أعلم السبب. وعندما جاءت أمي أخبرتها بما حدث، وحاولت هي أيضًا الانتصار لي واسترجاع أشيائي، اعتذرت لي مديرة المدرسة، والمعلمة، لكن البنت التي أخذت مقلمتي لوّحت لي بها وهي تركب سيارة أبيها، وكانت تضحك كثيرًا. وفي اليوم الثاني أعطتني مديرة المدرسة مقلمة أخرى جديدة بها أشياء كثيرة، لكنها لم تعوضني أبدًا عما فقدت في ذلك اليوم.


مشهد 2


في ميدان التحرير بإحدى أيام الثورة، كنت أقف مع زميل لي عندما شاهدت لأول مرة تحرشاً جماعياً بفتاة تبعد عني بأمتار قليلة، يلتف حولها قرابة 50 ذكراً -لن أقول رجلًا- فورًا ابتعدنا أنا وزميلي عن المنطقة لكي لا أصبح الضحية التالية، مشينا في خوف ورعب لم أشعر بمثله من قبل، حتى وصلنا إلى رصيف مرتفع قليلًا، وقفت ورأيت المشهد من علوّ، الفتاة تصرخ وتتمزق ملابسها وهناك شخصان يحاولان حمايتها لكن ثلاثتهم في وسط دائرة تفوقهم عددًا تنتهك كل ما فيهم. لم يكن باستطاعتي فعل شيء، لم يكن باستطاعة أي شخص فعل أي شيء، تحركت الدائرة بالثلاثة في قلبها نحو شارع جانبي، وكان هناك بعض الناس يحاولون الاتصال بالشرطة، ولا أعرف ماذا حدث بعدها فقد نصحني زميلي بالعودة للمنزل فورًا لكي لا يحدث مثل هذا، ومما رأيته، فقط استجبت وعدت للمنزل، وبكيت طوال الطريق.


مشهد 3


جرّب مرة أن تركب مواصلة عامة قبل الإفطار الرمضاني بساعة؟ أو في صباح أول يوم دراسة؟ جرب أن تكون وحيدًا في انتظار المترو وسط مجموعة من البشر تنوي الركوب من نفسك محطتك؟ هل لاحظت التدافع؟ هل لاحظت أن الكثرة سيطرت على المواصلة لأنها الأقوى؟ هل لاحظت أنهم دفعوك للخلف وبقيت وحدك وربما فاتك القطار بسبب أنك بمفردك؟

هناك مقولة شائعة أن النجاح في مصر يعتمد على "الشللية" أي أن تنتمي لمجموعة من البشر "شلة"، أصدقاء أو أصحاب اهتمامات مشتركة، هؤلاء من يساعدونك على الوصول لأي شيء. وفي كل مرة سمعت فيها هذه الجملة -وهو عدد أقل من شعر رأسي بقليل- شعرت بالعجز وقلة الحيلة لأني "فرد"، لأن الآخرين من حولي وضعوا قانونًا لتسيير الأمور، فإذا لم تكن واحدًا منهم، فأنت ضدهم بكل تأكيد، حتى لو لم تنتم لأي مجموعة أخرى.
منذ صغري، سمعت كثيرًا عن الكثرة التي تغلب الشجاعة، كانت أول مرة في قصة سيدنا إبراهيم الذي اختار أن يعبد إلهاً غير آلهة قومه، وعذبوه وأحرقوه بالنار لكنها كانت "بردًا وسلامًا". ورأيتها في التحرش الجماعي بامرأة، ورأيتها مرات في مشاجرات يومية بالشوارع، أو منافسات بالعمل، أو حتى ممارسات عادية في دخول السينما أو شراء الخبز في الطوابير الطويلة.

قد يكون هذا قانون الطبيعة منذ خلقنا الله، حتى في القرآن تجد "أكثر الناس" دائمًا مصحوبة بشيء ما، مثل "أكثر الناس لا يعلمون، لا يفقهون.. إلخ". وكأن الكثرة تلغي عقلك، وتدفعك للسير مع القطيع وتفعل كما يفعل. وقد يكون قانونا متوارثا عن أوائل البشر، الذين خرجوا في مجموعات لاصطياد الحيوانات. لكن ماذا فعل الإنسان الأول الذي جذبته الطبيعة أكثر من القتل؟

كلما رأيت "كثرة" تغلبنا، سألت نفسي: ماذا يفعل الوحيدون؟ ماذا تفعل الأقلية؟ ماذا يفعل البشر الذين اعتادوا على البقاء بمفردهم؟ هل يقومون بالاجتماع هم أيضًا في "شلّة" للوحدة ويكونون ناديا اجتماعيا لهم؟ هل من الإنصاف أن تلغي وجود إنسان لمجرد أنه فرد؟ في رأيي، اذا اعتديت على شخص لأنه بمفرده ولأنك أقوى، فأنت ظالم، لكن إذا خشيته لشخص معه، فأنت جبان. لذلك فإن الكثرة التي تغلب الشجاعة غالبًا تكون جبانة، تحتمي ببعضها، لأنها هشّة أمام شجاعة فردية.

لماذا أكتب هذا الكلام؟ لأن فيلم "العمى" أظهر امرأة قوية تصدت لجموع من البشر من العميان الذين يشبهون الموتى الأحياء بمفردها، ولأن مقلمتي ذهبت لكني تعلمت الدرس مبكرًا، ولأن السيدة التي جردوها من ملابسها في الميدان كانت أشرف وأطهر من لفيف الحشرات حولها، ولأن التدافع حول قطار أو مواصلة لن يوصلك لقدرك مبكرًا، ولأني عرفت أني لم أكره البشر إلا لكثرتهم وتجمعاتهم البغيضة، ولم أحبهم إلا فُرادى.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.