المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

باسل عبد الحميد نوفل Headshot

الشعوب و الحكام

تم النشر: تم التحديث:

في الأسابيع الماضية، تعالى الصراع السياسي بين السعودية والبحرين والإمارات ومصر من جهة وقطر من جهة أخرى، وبعيداً عن أسباب الصراع ومن هو الطرف المعتدي أو المعتدى عليه- فإن ما لوحظ هو انسياق السواد الأعظم من الشعوب خلف حكامها دون تفكير، فبعد أن كان الخليجيون يعتبرون قطر، حكومةً وشعباً، دولة شقيقة وحليفاً هاماً في مواجهة إيران باليمن وسوريا، تحول الوضع بين ليلة وضحاها وباتت خائنة ومتحالفة مع أعداء الخليج.

لم يتوقف الأمر عند قطر؛ بل يمكننا أن نلحظ ارتفاع نبرة الغضب تجاه تركيا على مواقع التواصل الاجتماعي، ولكن بحدة أقل، لماذا؟! فقط لأن اللجان الإلكترونية التي تديرها الدول الخليجية لا ترغب في رفع المواجهة مع تركيا إلى أبعد مدى؛ نظراً لوجود مصالح مشتركة في العراق وسوريا، ولكن هذا لا يمنع من التذكير بانتهاكات العثمانيين في الجزيرة العربية، للرد على وجود قاعدة تركية في قطر، وبالطبع لا داعي لذكر ما فعله المصريون على يد إبراهيم باشا ومحمد علي في أجداد الملك عبد العزيز، فهذه الورقة سيتم الدفع بها عند أول خلاف سياسي حاد مع القاهرة.

الغريب في الأمر، أن شعوبنا العربية باتت تنساق بسهولة خلف تغيرات أيديولوجية حادة لم تتغير منذ مئات السنوات، أما الأغرب فهو أن التغيير ونقيضه باتا يتحولان بصورة شبه شهرية وفي بعض الأحيان يومية دون أن تتردد شعوبنا في الذهاب والعودة بحسب ما يمليه عليه إعلامنا الذي ينطق بلسان حكامه، فمثلاً: تحول ترامب الذي كان يمثل تهديداً للعرب والمسلمين إلى حليف في قمة عربية إسلامية-أميركية! بينما تحولت حركة حماس من حركة مقاومة إلى حركة إرهابية، ولم تعد إسرائيل عدواً.

وتحول الإخوان إلى فصيل وطني بعد أن كانت جماعة محظورة، لينتهي به المطاف كفصيل خائن، وربما يعود الإعلام غداً ويقول إن الإخوان فصيل شعبي يجب احتواؤه، كما تم احتواء فلول "الوطني" ونسي المصريون أنهم ثاروا في وجههم، وكذلك الحال في تونس وليبيا واليمن التي كانت السعودية تدعم رئيسها علي عبد الله صالح، ليتحول فجأة إلى خائن! ولا تتعجب أيضاً إذا ما وجدت غداً إيران دولة صديقة لقطر، وربما تجد "الجزيرة" داعمةً لنظام الأسد يوماً ما.

ولكن، ما تفسير ذلك؟!

يرى البعض أن هناك قادة للرأي حول العالم، هم من يستطيعون تغيير الآراء وتحويلها، وطالما استطعت التحكم في قادة الرأي وأصحاب القوة والنفوذ فبإمكانك بسهولة التحكم في الشعوب، ويختلف قادة الرأي من حيث القوة والتأثير؛ فرجل الأعمال الذي يملك قناة تلفزيونية يمتلك قوة تأثيرية أكبر من دكتور الجامعة الذي يملك التأثير على طلبته وأهالي قريته؛ لأنه يستطيع أن يصل لشريحة أكبر.

إن قادة الفكر هم من يحددون مصيرنا، هم من يقرأون ويوجهون العامة للتصويت أو عدم التصويت لفلان، الموافقة على الدستور هذا أو ذاك.. إلخ، في حين أن الأغلبية العظمى من الشعوب تصوت لحزب ما أو لتيار ما دون قراءة كلمة واحدة عنه أو دراسةٍ دقيقةٍ لبرنامج سياسي أو اقتصادي أو إلى ما هنالك؛ نظراً لأن ثقافة العموم وإدراكهم واهتمامهم لا يؤهلهم لفعل ذلك، بغض النظر عن مشاغلهم اليومية والمعيشية، وعلى الرغم من أن الظاهرة أقل بكثير في الدول المتحضرة منها بدول العالم الثالث التي تعيش تحت أنظمة ديكتاتورية، ولكنها موجودة وبنسب متفاوتة.

إذاً، فالمشكلة الأكبر تكمن فيما ذكره الزعيم النازي أودلف هتلر في كتابه الشهير "كفاحي"، والذي ذكر فيه أن السواد الأعظم من الناس لا يعرفون الحقيقة، ولو عرفوا الحقيقة لأضر ذلك بالنظام، فهتلر يرى أن معرفة الحقائق يجب أن تُمنح بصورة متدرجة للمسؤولين حسب الحاجة، وأن تُمنح الشعارات والأهداف والخطوط العريضة فقط لعموم الشعب؛ لأنك في أي صراع أو معركة تحتاج إلى جنود أوفياء مخلصين للفكرة، أما إذا ما أقحمتهم في تفاصيل ربما لا يستوعبونها أو يدركون خفاياها فستتعارض مع معتقدات شريحة كبيرة منهم؛ ما سيتسبب في بلبلة أفكارهم، وهو ما سينعكس على ولائهم وانتمائهم وأدائهم في ساحة القتال، وهو ما يجعل النظام العسكري نظاماً يعتمد على السمع والطاعة دون تفكير أو اعتراض لضمان وحدة الصفوف.

في الحقيقة، لم يكن هتلر يعني في مقولته الجزء العسكري فقط؛ بل كان يعني الجزء السياسي والمدني بصورة أكبر، فكل قوة أو مجموعة سياسية على وجه الأرض تربطها أهداف سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية... إلخ، يبدأ الناس في دعم هذه الأفكار والتكتل وراءها، يجمعها أهداف أو مصالح مشتركة، وعادة ما تنتج هذه الأفكار نتيجة لتغيرات وظروف تلم بمجموعة ما في وقت ما، مثلما تسبب قهر العمال في اندلاع الثورات وظهور الفكر الماركسي والشيوعي بروسيا، والذي تمدد في دول عديدة.

ولكي يتكتل الناس وراء فكرة ما، يجب أن تحتوي أهدافها على قيم نبيلة لا خلاف عليها مثل "الحرية والعدالة والمساواة" في الثورة الفرنسية، أو لقطاع معين من البشر دون ما سواه على أقل تقدير مثل: "مصر أولاً، الحلم العربي، الإسلام هو الحل، شعب الله المختار... إلخ".

وبمرور الوقت، يشتد عود هذه الأفكار من خلال التفاف مجموعة من قادة الفكر حولها، يبدأ التسويق لها مدعوماً بقوة المال أو السلاح أو الاثنين معاً إن أمكن، فإما أن تموت هذه الأفكار وتنهزم سريعاً، وإما أن تلقى قبولاً. وتبدأ بالتبلور والتشكل في كيانات سياسية أكثر قوة واتساعاً ونفوذاً وأهدافاً، وتبدأ في محاولة فرض نفسها وسط كيانات لا تقل قوةً ونفوذاً عن تلك، وهنا يبدأ صدام المصالح والأيديولوجيات داخل هذا التيار وخارجه، وتبدأ في الاصطدام بأيديولوجيات أخرى أقدم وأقوى منها، وهنا تبدأ التنازلات السرية والالتفاف وإخفاء الحقائق عن الشعوب.

وفي بعض الأحيان، يصل الأمر لأن تتناقض أفعال هذا الكيان مع القيم التي تأسس عليها، فتزداد التنازلات، والتحالف مع شخصيات غير شريفة، والتغاضي عن أخطاء وفسادٍ داخل الكيان السياسي نفسه؛ لعدم القدرة على الإطاحة بشخصيات ذات ثقل خوفاً من كسب عداوات أو من تفسخ النظام في صراعات تبعده عن الهدف الرئيس له. فيبدأ غض الطرف عن بعض الممارسات التي تتزايد يوماً بعد يوم؛ ليتحول الأمر إلى شعار "الغاية تبرر الوسيلة"، وبقدر حجم التنازلات تصاب أعمدة النظام والكيان الجديد بآفات تستمر مع النظام وتتفاقم جيلاً بعد جيل، فتكون سبباً في نهايته وسقوطه بعد عشرات وربما مئات السنوات.

وتختلف درجة انسياق الشعوب وراء قادتها بحسب درجة ثقافتها وقدرة الحكومات في التأثير على شعوبها؛ فنجد أن معظم الأميركيين يعتقدون أن بلادهم هي حامية الحريات في العالم، ولكنهم لا يرون الحقيقة كاملة بأن الحرية والرفاهية التي يعيشون فيها هي عصارة آلاف من الجثث التي قُتلت في فيتنام وأفغانستان والعراق.

أما في كوريا الشمالية، فما زال الشعب الكوري الشمالي مغيَّباً تماماً عن معظم ما يجري حوله في العالم، يعيش تحت قبضة نظام يجرِّم استخدام الإنترنت ويجعل عقوبته هي الإعدام لضمان احتكار التأثير الفكري على شعبه وعدم إطلاعه على ما يجري في باقي دول العالم، ولكن للأسف لا يدرك الكوريون الشماليون أنهم يعيشون تحت نظام استعبادي ظالم ومتخلف؛ ظناً منهم أنهم بذلك يواجهون الإمبريالية الأميركية التي يرونها في غاية السوء.

لكنهم لا يدركون أن النظام الذي يعيشون فيه أسوأ من النظام الأميركي بمراحل، لسبب بسيط: وهو أن حكامهم يُطلعونهم أولاً بأول على مساوئ النظام المعادي ويظهرونه في صورة شيطانية بحتة، فيما يخفون مساوئ نظامهم ويلمّعونه بشكل مستمر.

واليوم، لا يعلم المواطن السعودي، الذي يدعم نظاماً سلفياً متشدداً لأنه يقيم شرع الله ويحمي الحرمين الشريفين، أن بلاده تقيم بصورة شبه علنية أقوى العلاقات مع إسرائيل؛ وذلك لكسب إسرائيل كحليف قوي في مواجهة العداء مع إيران.

ليس السعودية فقط من يفعل ذلك.. فللتاريخ أمثلة عديدة على حجب المعلومات عن عموم الشعب؛ فعند اندلاع الثورة الإيرانية، قام صدام حسين، بإيعاز من الولايات المتحدة، بمهاجمة إيران في حرب الخليج الأولى، كان السلاح الإيراني في ذلك الوقت أميركياً بنسبة 100%؛ نتيجة لاعتماد شاه إيران على التسليح الأميركي، وعلى الرغم من عداء الثورة الإيرانية للولايات المتحدة، فإن هذا لم ينفِ حقيقة أن عتادها الذي ورثته عن النظام السابق -نظام الشاه- كله أميركي، وكان من الطبيعي أن تتوقف الولايات المتحدة نكايةً في الثورة الخومينية عن تزويد إيران بقطع غيار وذخيرة لأسلحتها.

فكانت النتيجة تفوقاً ملحوظاً للعراق في الشهور الأولى، وسط توقعات بانتهاء المعركة لصالح صدام في شهور معدودة، على الجانب الآخر لم تكن مصلحة إسرائيل تكمن في انتصار أي من الطرفين في المعركة، فالاثنان يمثلان خطراً حقيقياً عليها، وهو ما دفع إسرائيل لإمداد الدولة الإيرانية بكل ما تحتاجه من السلاح الأميركي.

وعلى الرغم من أن النظام الإيراني بعد ثورة الخميني كان عدواً لإسرائيل بصورة مباشرة، فإنه لم يكن يملك بديلاً، فالصراع صراع بقاء. هل لك أن تتوقع رد فعل المقاتلين الإيرانيين على الجبهة إذا ما علموا أن السلاح الذي في أيديهم هو سلاح إسرائيلي؟ كل ما يجب أن يعرفه هذا المقاتل أنه يحارب أعداء الإسلام من أجل تحقيق الهدف الأكبر وهو تحرير القدس، أما إذا عرف أكثر من ذلك، فإن ذلك سيأتي بنتائج عكسية.

إنها الفكرة نفسها أيضاً التي جعلت "الكاميكازي" الطيارين اليابانيين الانتحاريين في الحرب العالمية الثانية يقومون بتفجير أنفسهم بطائراتهم في السفن الأميركية؛ ظناً منهم أنهم يدافعون عن الإمبراطور الذي يمثل الإله بالنسبة لهم، وهو نفسه الإله الذي تخلى عن ألوهيته بعد هزيمته في الحرب!

إنها -يا سادة- مقاييس السياسة التي جعلت من هتلر بطلاً ثم سفاحاً؛ ليصبح سفاحٌ آخر وهو ستالين بطلاً بعد أن كان سفاحاً! إنها أيضاً السياسة التي حوَّلت صدام من بطل للأمة العربية إلى قاتل بين ليلة وضحاها! وبن لادن من ثري ضحى بالمال لخدمة الإسلام إلى إرهابي يقتل الأبرياء!

ومن الظلم الحكم على أي نظام من حيث الطهارة ونقاء الأهداف في نهاية عهده، فأي دولة في عنفوانها تكون على الأغلب نموذجاً جيداً أو على الأقل تكون نموذجاً مقبولاً يحتوي على مميزات وعيوب. لكن وفي لحظات الانهيار، تزداد التنازلات ويكثر المنتفعون والفسدة، وربما تنقلب هذه التيارات أو الأنظمة عن الأهداف التي تأسست عليها وتصبح نقيضاً لها، فمن كان يظن أن الجيش المصري والدولة العسكرية ستبيع الأرض المصرية بهذه الوقاحة، غير مكترثة للعقيدة العسكرية وتقديس الأرض التي تربت عليها؟!

ولكل دولة أو مجموعة سياسية أكاذيب كثيرة وأساليب تتحكم من خلالها في شعبها، وكلما تفطنت هذه الشعوب إلى هذه الأساليب والألاعيب والحيل، فاعلم أن النظام قد ضعف وأخذ في التهاوي... وكلما انكشفت الوجوه الداعمة للنظام، من إعلاميين ومثقفين، ضعفت قبضة النظام في السيطرة على شعبه.

الأمثلة عديدة ولا تنتهي.. لكن -يا أعزائي- من الطبيعي ألا يعلم الحقيقة سوى نسبة تقل عن النصف في المائة من الشعوب، وإذا ما زادت النسبة عن ذلك كان هذا بمثابة خطر حقيقي على الدولة.

ومن المفترض أن تتوزع هذه النسبة الضئيلة "التي تعلم الحقيقة" ما بين أفراد يمثلون النظام نفسه، وموالين له ومنتفعين منه، أما النسبة الباقية منها فإما أن تكتفي بالصمت وإيثار السلامة وإما أن تختار المعارضة بدرجات مختلفة قد تنتهي برؤوسها خلف القضبان أو معلَّقة على المشانق. أما النسبة الأعظم من الشعوب حول العالم، فهي مغيَّبة فكرياً دون أن تدري.. تختلف درجات معرفتهم بنسب متفاوتة حسب درجة ثقافتهم وموقعهم من المجتمع، يظنون أنهم يعلمون الحقيقة، لكنهم لا يعلمون إلا ما يريد قادتهم لهم أن يعلموا، تُحركهم المصالح الاقتصادية في المقام الأول.

لا تشعروا بالمفاجأة أعزائي.. فإذا ما استمر الحال على ما هو عليه، فربما نشاهد أعلام إسرائيل ترفرف في عواصمنا العربية قريباً، إن الكراهية المزروعة في قلوب أجيال شهدت الحرب مع إسرائيل ستموت بموتهم، وهناك أجيال جديدة لا ترى في إسرائيل عدواً، بعد أن نجحت إسرائيل عبر صفحات مواقع التواصل في التأثير على شريحة كبيرة من الأجيال الجديدة!

إن إسرائيل تعلم أنها لن تغير عقيدة من حارب أمامها، ولكنها تستطيع أن تكسب من لم يحارب، ولعل أبسط مثال، مقارنة بسيطة بين تدرُّج مواقف الزعماء المصريين من إسرائيل.. ناصر، السادات، مبارك، فجميع هؤلاء حافظوا بنسب مختلفة على الحد الأدنى من الثوابت، حتى وصل الأمر إلى من لم يحارب واختار التخلي عن أرض مات رجال يرتدون بزته نفسها حفاظاً عليها.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.