المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

بسام جعارة Headshot

حفلة سمر مع الصدر الأعظم حافظ الأسد!

تم النشر: تم التحديث:

قبل أن يحتجب اعتاد حافظ الأسد أن يلتقي بين وقت وآخر بالفنانين والصحافيين والأكاديميين، ومعظم هذه اللقاءات كانت لتقطيع الوقت أو للترويح عن النفس وفي حالات نادرة كانت تأخذ الطابع السياسي أو الفكري أو التاريخي، عندما يكون الضيف شخصية أكاديمية.
كانت إشارات الاستفهام ترتسم دائما حول طبيعة بعض اللقاءات التي كانت تتم مع شخصيات مغمورة وأيضا مع بعض الفنانات مثل الممثلة سلمى المصري أو المذيعة ماريا ديب التي اشتكت وزير الإعلام، بعد أن أصدر قرارا بوقف إطلالاتها التلفزيونية بسبب تقدمها في السن.
نعم.. كيف يمكن أن نفسر تخصيص حافظ الأسد بعض وقته للجلوس مع صبية مغمورة انتقلت بين يوم وليلة بفعل وساطة مدير مكتبه من سكرتيرة مدير عام إلى صحافية، بينما لم يتسع وقت حافظ الأسد لمناقشة مشروع قانون العاملين الأساسي في الدولة، إلا من خلال اتصال هاتفي استمر أكثر من ست ساعات مع نائبه عبد الحليم خدام وعز الدين ناصر رئيس الاتحاد العام لنقابات العمال!!
والأوقات الثمينة كانت تسمح أيضا لحافظ الأسد أن يلتقي باستمرار صحافية مغمورة، كان وضعها - العائلي السياسي والعسكري المالي سليلة عائلة من الجنرالات - يحصنها من البحث عن مكسب مادي أو معنوي، وعندما غمزتُ مرة من تكرر هذه اللقاءات أجابتني بعتب: يجب ألا يغيب عن ذهنك ان عائلتنا أهم من عائلة بيت الأسد ولكن شقيقها الممثل لم يتورع عن المبيت في العراء قرب الجامع الأموي صبيحة أحد الأعياد، ليحظى بمصافحة حافظ الأسد ولكن عندما تقدم باتجاهه رده غاضبا وأمره بالانصراف فورا، وصاحبنا الممثل نام في العراء خشية فشله بسبب الإجراءات الأمنية من الوصول ونيل شرف التقاط صورة له يصافح فيها حافظ الأسد، ليتمكن من استثمارها للصعود إلى الأعلى.
اللقاء مع صحافية مغمورة لم يكن حادثا استثنائيا بل كان يتكرر دون توقف، وأتذكر جيدا الموقف الانفعالي لإحدى مذيعات التلفزيون التي جاءت إلى مجلس الوزراء، لتطلب من محمود الزعبي تخصيصها بشقة سكنية من الشقق التي يتم توزيعها بين فترة وأخرى ويومها قالت حرفيا: أنا لا أستطيع دفع "الثمن" الذي دفعته بعض زميلاتي، في التلفزيون لتظفر بلقاء مع حافظ الأسد، وتطلب فيه الحصول على شقة سكنية أو على سيارة.
بالمقابل أتذكر أيضا أن غضب القصر الجمهوري على الأستاذ الجامعي الدكتور طيب تيزيني، استمر لفترة طويلة لأنه رفض بعد لقائه مع حافظ الأسد أن يطلب شقة أو سيارة أو منحة مالية، فقال له أبو سليم دعبول مدير مكتب الرئيس إن موقفك هذا سيسجل كموقف عدائي وشخصي من حافظ الأسد، ويومها جاء اللقاء بطلب من حافظ الأسد ليستمع إلى وجهة نظر الضيف حول عدد من القضايا، ولكن من دفع الثمن غاليا كان الدكتور سليم ياسين النائب الاقتصادي الأسبق .
بعد ترحيل حكومة محمود الزعبي عام 2000، كان الدكتور ياسين يشغل فيها منصب النائب الاقتصادي استدعاه حافظ الأسد وقال له أنه سيصدر مرسوما بتسميته حاكما لمصرف سوريا المركزي ويومها ارتكب سليم ياسين "غلطة تاريخية" دفع ثمنها دخول السجن لأشهر طويلة وقاسية، بتهمة الفساد لأنه اعتذر عن قبول المنصب وقال أنه يريد التفرغ لتأليف الكتب الجامعية، ونسي أن مثل هذا الرفض يشكل بالنسبة للأسد حالة عصيان وتمرد لا تغتفر.
طبعا تهمة "الفساد" كانت جاهزة لتلصق بكل من يخرج عن الطاعة أو يعصي أمرا لحافظ الأسد، بدليل أن المفسدين كانوا يسرحون ويمرحون وتزداد أعدادهم وتتضاعف ثرواتهم يوما بعد يوم دون أي محاسبة بل كان الأسد العجوز يهيء المناخ الملائم للفساد، ليتمكن متى شاء من تصفية من يريد تصفيته بتهمة الفساد.
في أحد لقاءات حافظ الأسد مع المقربين من أهالي القرداحة استفسر من أحد معارفه القدامى، عن أحواله المعيشية فقال له أن ابنه مازال عاطلا عن العمل فقال له أنه سيوظفه وجاء الرد: ولكن ابني لن يقبل أي وظيفة إلا إذا كانت في الجمارك!! ولماذا حصرا في الجمارك؟.. أجاب بعد أن وضع كفه مفتوحا أمام فمه: لأن "الشفط" فيها يعوض عن الراتب الشهري المتواضع!! هنا ضحك حافظ الأسد وقال: سأعينه في الجمارك فورا.
وفي لقاء آخر في القرداحة اشتكت عجوز وقالت أنه جرى رفض طلب ابنها دخول الكلية الحربية، بدعوى أنه قصير القامة، فقال لها حافظ: ياخالتي القانون هو القانون!! فأجابته بحدة: الدكتور عبد الرؤوف الكسم عينته رئيسا للوزراء وهو أقصر من ابني.. فلماذا يطبق القانون علينا فقط !! هنا ضحك حافظ الأسد وقال إن ابنها سيدخل الكلية الحربية.
خلال تكريمه للسباح العالمي بسام المصري جاء أبو سليم مدير مكتب الرئيس وقدم له مغلفا بداخله مبلغا من المال، فسأله بسام: كم بداخله من المال ؟ ثلاثون ألف ليرة.. هنا بدأ بسام المصري يعد النقود وسط دهشة حافظ الأسد، قبل أن يسأله: لماذا تعدها؟! فأجابه: اولا لأتأكد أنهم لم يسرقوا منها وثانيا لأنها لا تكفي لتسديد ثمن البيت.. هنا ضحك حافظ الأسد وطلب منحه مبلغا إضافيا مماثلا، وعندما هم بسام المصري بفتح المغلف للتأكد أنه لم يسرق ضحك الأسد العجوز وقال: بإمكانك أن تتأكد من ذلك في بيتك، وإذا وجدت نقصا في المبلغ سأعوضك إياه.
حوادث سرقة عطايا الرئيس لم تكن سرا، واضطرت المطرب المصري الشهير سيد مكاوي إلى الاتصال هاتفيا من مطار دمشق بمكتب الرئيس، ليسأل عن المبلغ الذي تقرر له بسبب مشاركته باحتفالات الحركة التصحيحية بعد أن تبين أنه تم سحب أكثر من عشرة آلاف دولار منها، فكانت فضيحة مدوية ولكن لم يحاسب من فعلها.
وحافظ الأسد كان يعرف أكثر من غيره أن الهدايا التي كانت تقدم لأعضاء الوفد المرافق له خلال زياراته الخليجية، كانت تستبدل قبل تسليمها من قبل السعداوي مدير المراسم، وكان هذا الأخير يحضر قبل الزيارة العشرات من ساعات اليد رخيصة الثمن، ليقدمها لأعضاء الوفد على أنها الهدايا التي قدمت لهم ليحتفظ لنفسه بالهدايا الثمينة التي قدمت خلال الزيارة.
نعود إلى حكاية السكرتيرة التي تحولت بقدرة مدير مكتب الرئيس إلى صحافية، وشملت العطايا شقة سكنية وسيارة وغنجاً ودلالاً تحسد عليه من أعضاء القيادتين وبقية المسؤولين.. خلال تدشينه مشفى الأسد الجامعي لمح حافظ الأسد "صحافيته" بين المحتشدين لتحيته فتجاوز البروتوكول وقال بصوت عال مناديا إياها باسمها: كيفك يا... ؟ وبعد انتهاء المراسم لم يبق مسؤول إلا وسألها: ماذا تحتاجين يا...!!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.