المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

بسام جعارة Headshot

سر تعلق حافظ الاسد بالتاريخ والمؤرخين!

تم النشر: تم التحديث:

في بيت عيسى درويش اكتشفت سر تعلق حافظ الاسد بالتاريخ وتركيزه على هجرة القبائل العربية من اليمن والحجاز الى بلاد الشام، وهذا التعلق جعل حافظ الاسد وعلى مدى سنوات طوال لا يتوقف عن استدعاء المؤرخين وتخصيص جلسات مطولة للبحث في هذا الشأن.
في مطلع الثمانينات كنت مشاركا في دورة إعلام نفطي في الكويت اقامتها منظمة "الأوابك" العربية، دعاني عيسى درويش الى العشاء في بيته وكان يومها سفيرا هناك، وروى لي وقائع سهرته "التاريخية" مع حافظ الأسد خلال زيارته للكويت.
بعد أن جلدني لأكثر من ساعتين باجباري على الانصات للاستماع الى مقطوعاته الشعرية الجديدة، كما كان يفعل مع غيري من زواره ويصر على تسخيف "الرفاق" البعثيين الذين يتطاولون على "مملكة" الشعر، بل وصلت مغامرته الشعرية الى حد شراء شهادة دكتوراه أعتقد أنها كفيلة باقناع حافظ الاسد أنها البديل عن السترة العمالية "الخاكية" التي كان يرتديها الرفاق لتأكيد يساريتهم الراديكالية على الطريقة الكوبية، لأنه كان يريد فك الارتباط مع القيادة "اليسارية" التي زج بها حافظ الاسد في السجن بعد انقلابه على الرفاق البعثيين عام 1970.. اقول بعد حفلة الموشحات هذه بدأ عيسى يروي لي تفاصيل ذلك اللقاء "التاريخي" مع حافظ الاسد، والذي استمر لساعات طوال.
قبل تعيينه سفيرا في الكويت تبوأ عيسى درويش منصب وزير النفط والثروة المعدنية وفوجئ "الرفاق" جميعا يومها بهذا الاختيار لأنه لم يكن يعرف عن النفط ومنه سوى مادتي الكاز والمازوت، ومن الثروة المعدنية سوى أن هناك مادة اسمها الفوسفات، ولكنه لا يعرف استخداماتها وقبل ذلك كان مديرا للشركة الخماسية التي تصنع المنسوجات، اما بقية مسيرته "النضالية" اليسارية فكانت في اتحاد العمال.
قال عيسى: جاء من يقول لي إن حافظ الاسد اختارك هذا المساء لتكون جليسه، وادركت بحكم المعرفة التي تربطني به منذ اكثر من ثلاثين عاما ومنذ ان كنا "نناضل" معا في اللاذقية أنه لم يجد افضل مني للسهر معه في الكويت.‏
فاجأني حافظ الأسد - يضيف- عيسى عندما قال لي اريدك ان تحدثني عن هجرة القبائل العربية من اليمن والجزيرة العربية الى بلاد الشام، فخالجني شعور في تلك اللحظة أنها فرصتي التي لا يمكن ان تتكرر ويجب ان استغلها - اي ان تجلس مع حافظ الاسد لساعات طوال ليستمع اليك فهذا يعني ان خاتم سليمان اصبح في اصبعك - وقلت في سري إن الجائزة ستكون في المحصلة منصبا قياديا رفيعا في قيادة الحزب والدولة وكنت اعلم سر اهتمام حافظ الاسد بهجرة القبائل العربية الى بلاد الشام منذ ان قال له صدام حسين في القمة العربية في فاس عام 1982 إن آل الاسد ليسوا عربا ولا أصل لهم وإن على حافظ الاسد ان يبحث عن "أصله وفصله ونسبه" قبل أن يقول له صدام إنه سيلقنه درسا لن ينساه بسبب انحيازه لايران ودعمه لها على حساب دماء العراقيين.
طبعا كان صدام حسين يتكئ وقتها على روايات تقول إن عشيرة الاسد من بقايا الرومان في المنطقة، رغم وجود روايات اخرى تتحدث عن اصولها الفارسية، ولذلك كان حافظ الاسد يستعين بالمؤرخين ليفبرك رواية مقنعة حول أصوله العربية.
وبعد ان عرضت وعلى امتداد اكثر من ساعتين خلاصة معرفتي بهذه الهجرات دون اي مقاطعة او اعتراض او توجيه اي ملاحظة تشكك بروايتي صعقني حافظ الاسد عندما قال لي ضاحكا: هل تعرف يا عيسى انك تتحدث كما يتحدث اخي جميل!! ولكن كل ما اخشاه هو ان تكون تفعل ما فعله اخي جميل.

عندما تقرر ترحيله الى القاهرة بعد قيام الوحدة مع مصر - يقول- حافظ طلب أخي جميل أن يسكن في داري في دمشق وهذا ما كان وعندما عدت لأستقر في دمشق اكتشفت انه باع كل مفروشات البيت، رغم انني كنت قد امنت له عملا براتب شهري في إحدى شركات النسيج يوفر له متطلباته المعيشية.
طبعا لم يتحدث حافظ الأسد في تلك الجلسة عن الفظائع التي ارتكبها جميل الاسد، ولكن ثروته كانت تقدر بمئات ملايين الدولارات بالاضافة الى مئات العقارات المسجلة باسمه حصلها من خلال تشبيحه وفرضه اتاوات على التجار وشراء العقارات تحت التهديد باسعار رمزية بل انه اسس جمعية "المرتضى" لنشر التشيع بين سكان المنطقة الشمالية الشرقية في سوريا وأصبح لقبه " الإمام جميل" لتكون الرديف الآخر لرابطة الدراسات العليا التي اسسها شقيقه رفعت الاسد، وبعد حل جمعية "المرتضى" نتيجة ممارساتها وتجاوزاته وخشية وقوع فتنة طائفية تحول جميل الاسد من " الإمام جميل" الى "الاستاذ جميل".

بعد ادائه لمناسك العمرة في مكة وعودته الى اللاذقية احتشد أمام منزله المئات من انصاره امام بيته لتقديم التهنئة وعندما امسك احد مريديه بكفه وبدأ يطبع بنهم عشرات القبلات تدخل احد المرافقين، وقال له: "العمى بعيونك دبحت الإمام بقبلاتك .. حل عنه" عندها تدخل " الإمام" جميل، وقال للمرافق ضاحكا: دعه يا بني .. دعه يرتوي"!

عندما وصلت ممارسات جميل وعصابته في اللاذقية الى حد لا يطاق وبدأت الشكاوى تصل الى القصر الجمهوري تدخل باسل الاسد واقتحم مع قوة من الحرس الجمهوري مقر جميل الاسد، وبدأوا بضرب من هو موجود في المكتب عندها تدخل جميل، وقال لباسل: "حسنا فعلت بتأديبهم .. الله لا يقويهم والله يخرب بيوتهم .. أساءوا لنا وشوهوا سمعتنا العطرة في اللاذقية".
بعد انتهاء مهمته في الكويت تم تعيين عيسى درويش سفيرا في القاهرة، وكانت فرصة تاريخية له لكي يجمع الاعلاميين والفنانين المصريين في شيراتون الجزيرة في القاهرة ليفرض عليهم الإصغاء الى نتاجه الشعري، الذي لا يختلف كثيرا او قليلا عن نتاج جميل الاسد، وكانوا يوافقون لكي لا يخسروا دعوات لهم للتوجه الى دمشق والاستمتاع بكرم ضيافة الحكومة السورية ودولاراتها قبل أن يعلنوا تأييدهم للمسيرة المظفرة التي يقودها حافظ الاسد، ومن ثم بشار من بعده.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.