المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

بسام جعارة Headshot

عندما انتحر محمود الزعبي بثلاث رصاصات في الرأس

تم النشر: تم التحديث:

لدغدغة مشاعر السوريين وامتصاص غضبهم من اتساع رقعة الفساد، كانت الحكومات السورية المتعاقبة تصدر بين وقت وآخر "قوائم" بأسماء العاملين في الدولة الذين تم صرفهم من الخدمة لأسباب تتعلق بالنزاهة.

كانت أسماء هؤلاء "الفاسدين" تنشر في الصحف وتسبقها وتلحقها أيضا حملات إعلامية تشير إلى جدية الدولة في مكافحة الفساد والفاسدين.

كان معظم ضحايا حملات التشهير هذه من صغار الموظفين وكانت التهم الموجهة إليهم تتعلق باختلاس بضعة آلاف من الليرات السورية ونادرا ما كان المبلغ المستهدف يتجاوز المئة ألف ليرة سورية أي ما يعادل نحو ألفي دولار.

وعندما كان يقال إن نشر أسماء صغار "الفاسدين" يؤدي الى ردود فعل معاكسة لما يبتغيه النظام ويستفز السوريين الذين يرون ان على الدولة اصطياد الحيتان الكبيرة التي تنهش الملايين، وكان الرد دائماً أن من لا يحاسب على السرقات الصغيرة لا يمكن أن يحاسب على الكبيرة منها، ولكن هذه الردود كانت تجابه دائماً بحقيقة "أن عملية تنظيف الدرج يجب أن تبدأ من فوق وليس من أسفله".

رئيس الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش فوزي عيون السود، رحمه الله، كان رجلا نظيف اليد مشهود له بالجرأة والنزاهة. حاول أن يفعل شيئا، وفي إحدى محاولاته توجه بسؤال إلى المسؤول الاقتصادي الأول في الحكومة حول وجود شبهة فساد تتعلق بعملية شراء مصفاة بانياس النفطية من رومانيا، والأمر يتعلق هنا بعشرات ملايين الدولارات. كانت المعلومات تقول إن المصفاة قديمة جرى تفكيكها وإعادة تركيبها في بانياس بعد تجديدها بـ"الطلاء" وكان يحكم رومانيا آنذاك الدكتاتور تشاوشيسكو صديق وحليف حافظ الأسد.

وقعت المفاجأة عندما أقرّ المسؤول الاقتصادي الأول بصحة الاتهامات وعندما سأله رئيس الهيئة مستغرباً: كيف ومن المسؤول؟ أشار بإصبعه الى صورة حافظ الأسد التي تتصدر مكتبه وقال: إذهب واسأله هو؟!

طبعاً المسؤول الاقتصادي الذي رتب إجراءات الصفقة كان يعرف جيدا أن عنترة بن شداد لن يجرؤ على توجيه مثل هذا السؤال إلى حافظ الأسد.

تهمة الفساد كانت جاهزة لإلصاقها بأي مسؤول حزبي أو حكومي آن أوان قطافه لهذا السبب أو ذاك. طبعا لم يكن الأمر يتعلق بالفساد لأن حافظ الأسد كان يترك الباب واسعاً للسرقة والتلاعب والسطو على المال العام والخاص ليتمكن فيما بعد من ابتزاز وتخويف المسؤولين، بل يتعلق بجدية ولاء هؤلاء.

وعندما تظهر وشاية تقول إن هذا المسؤول او ذاك تجاوز الخط الأحمر ووجه انتقاداً لقرار أو توجه سياسي داخلي أو خارجي تفتح ملفاته وتبدأ عملية المحاسبة.

منح رخصة الهاتف الخلوي لابن خال بشار الأسد رمز الفساد رامي مخلوف كان يعني منحه ورقة يانصيب ربحت عشرات ملايين الدولارات وكذلك كان حال العقود والتراخيص الصناعية والتجارية والسياحية التي تمنح لشبكة المافيا هذه ومن يرتبط بها، وكان يتم بيع بعضها لمستثمرين بمقابل مالي كبير أو بعقود شراكة دون أن يدفع المسؤول حصته من هذه الشراكة، وهو ما حصل على سبيل المثال لا الحصر مع غسان عبود مالك قناة "أورينت" عندما حاول رامي مخلوف أن يدخل شريكاً معه مقابل السماح له بالعمل في سوريا.

عندما قتل باسل الأسد في حادث سير عام 1994 لم يكن قد تجاوز عمر الـ32 عاماً، لكن أرصدته في البنوك النمساوية كانت تتجاوز الـ13 مليار دولار، وهو رقم يفوق ثلاث مرات رقم الموازنة السورية. طبعاً هذا عدا الأموال الأخرى التي أودعها باسل الأسد في البنوك العربية والأجنبية الأخرى وتقدر أيضا بالمليارات.

والواقع نفسه ينسحب على مئات ملايين الدولارات المكدسة في بنوك عربية وأجنبية لأشقاء وأبناء وأحفاد عائلة الأسد بدءاً برفعت وامبراطوريته المالية التي تمتد من لندن الى ماربيا في اسبانيا مرورا بفرنسا. وذلك هو أيضاً حال جميل الأسد وبقية الأشقاء والأحفاد، وأهالي اللاذقية يتذكرون جيداً الاحتفال الذي أقامه فواز الأسد في ثمانينات القرن الماضي عندما بلغ رصيده من الأموال المنهوبة المليار دولار.

بشار الأسد لم يترك مناسبة إلا وحاضر بها عن الأخلاق وكان وما زال يردد أن السبب الأساسي "لأزمة" سوريا الحالية هو الفشل الأخلاقي، وعندما تحدث عن وجود آلاف الإرهابيين أرجع ذلك إلى سوء تربية الشعب السوري، أو لنقل الثائر منه.

ينظّر الأسد في الأخلاق بينما يسبح وعائلته وبقية أفراد العصابة وسط بحر من الفضائح المالية والأخلاقية التي تحيط بأسرته الصغيرة والكبيرة، ويكفي أن نشير إلى الطائرة الخاصة التي أقلت أسماء الأسد ووصلت لندن بعد مقتل الحريري مع حمولة كبيرة من المال.

عندما طلب حافظ الأسد من القيادة القطرية محاكمة محمود الزعبي بعد طرده من رئاسة الحكومة سأله السيد عبد الحليم خدام، وكان نائباً لرئيس الجمهورية: ماذا فعل محمود الزعبي؟ يومها نطق حافظ الأسد بكلمتين: لقد خانني!

لم يقل كيف ولماذا خانه ولكن الأمر كان يأتي ضمن سياق تهيئة بشار لكرسي العرش تحت عنوان مكافحة الفساد، ولكن السبب المباشر كان بفعل وشاية أمنية تقول إن محمود الزعبي الذي ذهب الى العاصمة النمساوية بعد مقتل باسل الأسد لاسترداد الـ13 مليار دولار المودعة باسمه في بنوكها هو من سرب فضيحة امتلاك باسل لـ13 مليار بينما كان الشعب السوري يعاني ما يعانيه لتأمين استمراره في الحياة. لذلك كان لابد لمحمود الزعبي ان يدفع ثمن "خيانته" اغتيالاً سياسياً وشرشحة.

دفع محمود الزعبي حياته ثمناً لـ"خيانته" لبشار الأسد أيضاً بعد أن ارتكب خطيئة لا تغتفر.

وقتذاك اكتشف رئيس الحكومة محمد مصطفى ميرو وجود مبلغ خمسين مليون دولار محوّل من مكتب تسويق النفط الى حساب مجهول، وبدلاً من الاتصال برئيس الحكومة السابق محمود الزعبي كما يفترض ليستوضح منه حقيقة الأمر واسم صاحب الحساب المجهول اتصل ببشار الأسد الذي أجابه: عليك أن تسأل محمود الزعبي!

رد محمود الزعبي أو خطيئته القاتلة كانت عندما أجاب: بل عليك أن تسأل بشار الأسد عن اسم صاحب الحساب.

بعد ساعات قليلة من نقل محمد مصطفى ميرو الإجابة الى بشار الأسد انتحر محمود الزعبي بثلاث رصاصات في الرأس!

الحرب التي يشنها بشار الأسد على الشعب السوري لم تموّل فقط بمليارات إيران مقابل شراء سوريا بل أيضا ببعض المليارات التي نهبها بشار وعائلته من أفواه السوريين قبل أن ينفقها على شراء آلة قتلهم.