المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

بسام جعارة Headshot

عندما قررت الرفيقة وصال فرحة بكداش استشارة قواعدها الحزبية!

تم النشر: تم التحديث:

في مطلع عام 1992 كلفني رئيس الوزراء محمود الزعبي أن أذهب إلى مقر قيادة "الجبهة الوطنية التقدمية" لكي أشارك في صياغة بيان تقرر أن تصدره "قيادة الجبهة" باعتبارها "أعلى" مرجعية سياسية حول الأوضاع الاقتصادية في سوريا، وقال لي يومها إن حافظ الأسد ارتأى أن تشارك الحكومة في صياغة البيان لأنها الأدرى بالواقع الاقتصادي وبما يجب اتخاذه من إجراءات على هذا الصعيد.

في مقر قيادة الجبهة تمنى عليّ صفوان قدسي ودانيال نعمة أن أكتب مسودة البيان لنناقشه معاً بعد صياغته. وعندما حاولت الاعتراض لأن الأمر يخصهم هم كقيادة جبهة وسيصدر باسمهم قال إنهم لا يملكون المعلومات والمعطيات التي تسمح لهم بصياغة بيان اقتصادي! وقلت لهم يومها أنتم الأدرى لأنكم تمثلون الأحزاب السياسية المشاركة في الحكم ويفترض أنها تملك البرامج الاقتصادية المتوجب تنفيذها للخروج من الأزمة الراهنة، وكذلك يفترض أن يكونوا على دراية بمطالب الناس و"القواعد الجماهيرية" لأحزابهم.. كل ما قلته يومها للتهرب من صياغة مسودة البيان لم يلق قبولاً واضطررت للانزواء في غرفة مجاورة لصياغة مسودة البيان.

بعد أن انتهيت من قراءة مسودة البيان التفت نحوي دانيال نعمة ممثل الحزب الشيوعي وقال لي غاضباً: ماذا سيقول عنك أهالي مدينة اللاذقية عندما يستمعون الليلة إلى ما تضمنه هذا البيان وهم الذين يكتوون بالأزمة الاقتصادية.. المؤكد أنهم سيوجهون لك ألف شتيمة! قلت له دون تردد: بل المؤكد أنهم سيشتمون أعضاء قيادة الجبهة الوطنية التقدمية من كبيرهم إلى صغيرهم لأن البيان يحمل اسمكم وسيقولون إنكم إمعات تتمتعون بالامتيازات مقابل تحولكم إلى شهود زور. يومها تدخل صفوان قدسي لفضّ الاشتباك وغمز باتجاه دانيال ليقول لي بلغة العيون: دعك منه لأنه يريد أن يسجل موقفاً انتهازياً، والأمر المؤكد أنه بعد الجلسة كتب تقريراً أمنياً يقول إنني تهجمت على قيادة الجبهة وإن دانيال تهجم على المسيرة المظفرة للجبهة الوطنية التقدمية بقيادة حزب البعث.

في مقر رئاسة مجلس الوزراء عاتبني محمود الزعبي على "تطاولي" على دانيال نعمة، وقال لي كان يجب أن لا ترد عليه وأن تتركه يزاود عليك لأن الأمر لا يقدم أو يؤخر، ولا يوجد أي سبب لخلق مشكلة بين الحكومة وبين قيادة الجبهة وأنت تعرف أن همّهم هو الاحتفاظ بمقاعدهم وامتيازاتهم، ونحن اعتدنا على مزاوداتهم وليس فيها أي جديد.

في إحدى جلسات قيادة الجبهة الوطنية التقدمية التي ترأسها حافظ الأسد قالت وصال فرحة بكداش، زوجة الزعيم التاريخي للحزب خالد بكداش، إنها لا تستطيع الموافقة على مقترح مدرج في جدول أعمال الاجتماع قبل العودة إلى قواعد الحزب الشيوعي.. يومها ضحك حافظ الأسد وقال: نستطيع أن نؤمن لك حافلة سياحية لتأتي بقواعد الحزب إلى هذا الاجتماع فضجت القاعة بالضحك رغم أن الإهانة لم توجه للحزب الشيوعي فقط بل لبقية الأحزاب أيضاً لأن الحال من بعضه والشعب السوري يدرك هذه الحقيقة ولذلك اعتاد الناس ترديد العبارة الشهيرة: الجبهة الوطنية التقدمية لصاحبها حزب البعث العربي الاشتراكي.

طبعاً القاعدة الجماهيرية للحزب الشيوعي التي اقترح حافظ الأسد إرسال حافة للمجيء بها إلى اجتماع قيادة الجبهة ليست أكبر أو أصغر من القواعد الجماهيرية لبقية الأحزاب المشاركة في الجبهة، وأراد حافظ الأسد يومها أن يقول للرفيقة وصال فرحة بكداش: نحن نكذب على الناس ونتحدث عن جبهة وطنية تقدمية تضم حزب البعث وبقية الأحزاب التي تمثل مختلف شرائح ومكونات الشعب السوري لكي نغيب استئثارنا بالسلطة، ولكن يبدو أنكم صدقتم الكذبة وبتم تتحدثون عن القواعد الجماهيرية لأحزابكم.

السوريون جميعاً يعلمون أنه لا توجد أحزاب ولا يحزنون، فالحياة السياسية ممنوعة ويستطيع أي عنصر أمن اعتقال أي مجموعة من البشر إذا اشتبه في طبيعة اجتماعهم، بل إن إقامة حفلة عرس في صالة أفراح تتطلب ترخيصاً من الأمن السياسي.

والكذبة لا تنسحب على الأحزاب المشاركة في الجبهة الوطنية التقدمية بل تشمل أيضاً الحزب الحاكم الذي يقود الجبهة منذ تأسيسها عام 1972 ليقول حافظ الأسد إن جميع الأحزاب الوطنية والقومية والاشتراكية والشيوعية تشارك في صنع القرار السياسي والاقتصادي في البلد.

ويعرف حافظ الأسد أكثر من غيره أن أعضاء الحزب الشيوعي الروسي الذي كانت تقدر أعدادهم بعشرات الملايين تبخروا ‏خلال لحظات بعد سقوط الاتحاد السوفييتي وأن البعثيين أيضاً سيتبخرون خلال لحظات ‏عندما يسقط "النظام".‏

والأمر - القاعدة الجماهيرية - لا يتعلق هنا بعدد المنتسبين للحزب الحاكم وهم بمئات الآلاف بل ربما بالملايين، بل بسلطة الحزب أيضاً. ويمكن هنا أن نقول: القيادة القطرية لحزب البعث العربي الاشتراكي لصاحبها المخابرات السورية.

نعم المخابرات السورية وليست قواعد الحزب هي من يقرر تشكيل قيادات فروع الحزب والقيادة القطرية أيضاً بل قيادات الفرق والشعب الحزبية، ويجري انتخاب القوائم الحزبية التي تقررها الأجهزة الأمنية تماماً كما هو حال الأحزاب الشيوعية التي حكمت الاتحاد السوفييتي ودول أوروبا الشرقية، ولولا ذلك لما تبوأ بوتين موظف الكيه جي بي رئاسة الحكم في روسيا.

عندما "انتخب" الصحافي علي جمالو عضواً في المؤتمر القطري العاشر للحزب في يونيو/حزيران 2005 عرف الجميع أنه سيتم تكليفه بمهمة من قبل الأجهزة الأمنية خلال انعقاد جلسات المؤتمر وسرعان ما انكشفت طبيعة هذه المهمة بعد أن شن هجوماً عنيفاً على نائب رئيس الجمهورية عبدالحليم ‏خدام تمهيداً لإزاحته من المشهد السياسي، ولو لم يتلق مثل هذا التوجيه ‏لما تجرأ على ذلك فالمستهدف هو نائب رئيس الجمهورية ورفيق حافظ الأسد منذ نحو ربع قرن، وبالتالي لا يمكن لأي شخص أن يتناوله لو لم يكن هناك توجيه شخصي من بشار الأسد. والجميع كان يعرف أن مقر الموقع الإلكتروني "شام برس" الذي يديره علي جمالو كان في مقر ‏المخابرات العامة، بل إنه تجاوز التكليف عندما تهجم على زوجة عبدالحليم خدام ويومها تعرض للتوبيخ وطلب منه ‏حذف ما نشر في الموقع لأنه تجاوز المهمة المكلف بها. ‏

قال الصحافي علي جمالو في جلسة جمعتنا في كافيتريا التوليدو بدمشق خلال انعقاد جلسات المؤتمر إن هناك أصواتاً تطالب بفصل الحزب عن الدولة للحد من هيمنته على القرار الحكومي.. قلت له يومها إذا أردت أن تضرب ضربتك في المؤتمر وتصبح زعيماً فإنني أقترح عليك أن تطالب ليس بفصل الحزب عن الدولة بل بفصل الأجهزة الأمنية عن الحزب والدولة! وكاد علي جمالو أن يصيح: الله أكبر فرحاً بهذا الاكتشاف الجديد قبل أن يلجمه تركي صقر مدير عام صحيفة البعث ويقول له: "يخرب بيتك شو"....."، إذا تورطت بترديد مثل هذا "الكفر" في المؤتمر أو خارجه فإننا سنقرأ الفاتحة على روحك"!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.