المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

بسام جعارة Headshot

أنت خائن أم جاسوس؟!

تم النشر: تم التحديث:

الدعاية المصرية الناصرية التي كانت تروج القصص والحكايات المزيفة عن العقيد فاضل المهداوي، رئيس المحكمة العسكرية العليا المعروفة بـ"محكمة الشعب" العراقية لتشويه سمعة حكم عبد الكريم قاسم، في أواخر خمسينيات القرن الماضي كانت تقول إن المهداوي اعتاد أن يسأل أي متهم يقف في قفص محكمته السؤال التالي: أنت خائن أم جاسوس؟ وبالتالي كان يتبع ذلك إصدار حكم الإعدام على المتهم. وكان المهداوي وقتها يتحدث باسم عبد الكريم قاسم، وقيل وقتذاك أنه قال للذين يتحدثون عن وجود أزمة في مادة البيض: إذا كان الدجاج لا يبيض فما ذنب الرئيس!!

طبعا ماجرى في العراق لم يختلف إلا في التفاصيل عما كان يجري في سوريا ومصر وبقية الدول العربية، واعترف العماد مصطفى طلاس وزير الدفاع السوري الأسبق بتصديقه على عشرات أحكام الاعدام التي كانت تصدرها المحاكم العسكرية يوميا قبل وبعد مجزرة حماة 1982.

في سبعينات القرن الماضي حضرت جلسة عامة للمحكمة العسكرية برئاسة فايز النوري، عقدت في قاعة المسرح العسكري بدمشق لمحاكمة المتهم باغتصاب وقتل طالبة في المدينة الجامعية بدمشق، وعندما أصدر فايز النوري حكما بالاعدام على المتهم انهار المسكين وصاح بأعلى صوته مخاطبا رئيس المحكمة: أنا لم أرتكب الجريمة، وأنت تعرف ذلك، وقلت لي اعترف وسأصدر حكما مخففا بحقك وإذا لم تعترف سأصدر حكما بإعدامك.

يوم تمثيل المسكين للجريمة في مكان وقوعها احتشد الطلبة على شرفات المدينة الجامعية مما أدى إلى انهيار إحدى الشرفات ومقتل عدد من الطالبات، مما استدعى عقد المحكمة بسرعة قياسية لامتصاص غضب الرأي العام ولم تستمر المحاكمة أكثر من ساعة واحدة مع حكم بإعدام المتهم الذي شاهدنا جميعا كيف كان يجري تلقينه الكلام خلال تمثيل الجريمة وأيضا خلال المحاكمة.

وكل ماجرى يومها كان للتغطية على الفاعل الحقيقي وهو ابن مسؤول كبير كما قيل همسا وقتذاك، فضاع دم الضحية ومعه دماء الطالبات ضحايا الشرفة المنهارة، وتهمة الإعدام كانت جاهزة، ولو لم يعترف المتهم بالجريمة التي لم يرتكبها لوجهوا له تهمة العمالة لاستخبارات عالمية، والمس بالأمن القومي لصالح جهات أجنبية.

العبارة الشهيرة المنسوبة لفاضل المهداوي: أنت خائن أم جاسوس؟ كانت تتكرر دائما بشكل أو بآخر، بمناسبة أو دون مناسبة على لسان المسؤولين، وأتذكر جيدا ذلك اللقاء الذي جمع الصحفيين مع عبد الرؤوف الكسم، رئيس مجلس الوزراء بحضور وزير الإعلام ياسين رجوح يومها قال عبد الرؤوف الكسم لزميل لنا لم يعجبه كلامه: أنت جاسوس! فكان رد الزميل: أنتم في السلطة تقولون أننا جواسيس، وفي الشارع نتهم أننا كلاب سلطة، وعليك أن تحسم الأمر الآن وتقول حقيقة أمرنا هل نحن كلاب سلطة أم جواسيس؟!.. عندها ضحك رئيس الوزراء وتوجه نحوي وقال كيف ترى الأمر؟ قلت له دعني أذكرك بما قلته عندما كنت في حقول النفط في "الرميلان" عندما كنت تخاطب عمال الحقل.. يومها وصفت علي جبران مدير عام الشركة بـ الجاسوس وكررت نفس الكلام في حقول "الجبسة"، ونسيت أن الناس ستقول إن الدولة تسلم أكبر شركة في البلد لـ جاسوس مما يعني أنها دولة جواسيس!! هنا احتد رئيس الوزراء وقال: أنت أيضا جاسوس.

وعلى سيرة وزير الإعلام ياسين رجوح، ولأن الشيء بالشيء يذكرفقد قال في أول تصريح له بعد استلامه منصبه وردا على سؤال لصحافية لبنانية حول العلاقات السورية اللبنانية: إن علاقات تاريخية تربطنا بلبنان، والسوريون يترددون بشكل دائم إلى لبنان ليشتروا تهريبا معظم احتياجاتهم من السلع والمواد!!

طبعا قبل اتهام علي جبران بالتجسس وهو الصبي المدلل لـعلي دوبا رئيس الاستخبارات العسكرية، والمسهل لصفقاته النفطية.. قبل ذلك قيل إن زوجته البولونية تعمل لصالح الموساد، وأنها تمكنت من توريطه وتجنيده للعمل معها.

تهمة التجسس كانت أبسط تهمة يمكن أن يوجهها النظام لأي سوري، وأتذكر جيدا أن صاحب مكتبة كنت أشتري منها الصحف اليومية قبل ذهابي إلى مقر صحيفتي المفترضة التي منع ترخيصها عام 2005، بل لم ترخص أصلا سألني هل تعرف لؤي حسين مستشار القصر الجمهوري، الذي تصادف وجوده أمس عندما كنت تشتري الصحف؟ قلت أعرفه جيدا فقال هو اتهمك بعد خروجك بالعمالة للمخابرات الأمريكية!! فقلت له بسيطة لأن هناك من اتهمني قبل ذلك بالعمالة للمخابرات الروسية الـ كيه جي بي.

تهمة العمالة للمخابرات الأمريكية تكررت أيضا في الأمن السياسي، عندما استدعيت -كما جرت العادة- بعد طلب الترخيص للصحيفة التي كنت أعد لإصدارها، وكانت تحمل اسم "الأيام"، يومها أبقيت لمدة طويلة في غرفة الانتظار وعندما قلت للحاجب إنني سأغادر فورا، ولن أنتظر استدعاني الموظف المختص وبدأ بالصياح ومحاولة إهانتي فرددت عليه بإهانة أكبر مما جعله يفقد صوابه لأن إهانتي له وفي مبنى الأمن السياسي، لا يمكن أن تصدر عن مراجع عادي، وفجأة دخل الغرفة شاب صغير السن وعرفني عن نفسه إنه ملازم في القسم - نجل العميد في الأمن السياسي نصر جعفر- وطلب برجاء أن أرافقه إلى غرفته، ثم استدعى الموظف الذي حاول إهانتي ليقدم الاعتذار عن سوء تصرفه فأجاب: أقسم بالله ياسيدي إنه جاسوس أمريكي ولولا ذلك لما تجرأ على شتمي.

تهمة العمالة لـ كيه جي بي وجهها لي اللواء فؤاد عبسي مدير المخابرات العامة، وكذلك للمهندس غسان فتاحي مدير المجلس الأعلى للشركات، وللمهندس صالح عسكر مدير الشركة العامة للطرق. والمستغرب يومها أن كل التقارير التي كانت تكتب بـ صالح عسكر كانت تقول إنه "يميني عفن". والمضحك المبكي أيضا أن مدير المخابرات قال أنه اكتشف ذلك من خلال التنصت على السفارة الروسية بدمشق!! وأعترف بعدها أن التهمة ملفقة ومن تدبير عبد الرؤوف الكسم رئيس الوزراء، وأنه أضاف اسم غسان فتاحي صديق الكسم لكي يتم تصديق الكذبة، لأنه محسوب على الشيوعيين. والمضحك المبكي هو أن الجنرالات الذين واجههم عبد الرؤف الكسم وحاول التصدي لهم -وهي حقيقة للتاريخ- كانوا يقولون إنه شيوعي مندس في حزب البعث، وإن زوجته السويسرية عميلة مخابرات أمريكية.

بعد إقالته من منصبه التقيت فؤاد عبسي مدير المخابرات العامة في مكتب وليد حمدون وهو من أصدقائه المقربين وكان وقتها نائبا لرئيس الوزراء وسألته: ماذا ستعمل بعد تركك لإدارة المخابرات؟ أجابني: لا أعرف.. فأجبته دون تردد: ما رأيك أن تعمل معنا في الـكيه جي بي!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.