المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

بسام جعارة Headshot

كوريا ياحبيبتي : الكافيار الروسي للزعيم ووجبة الديدان للضيف الكبير

تم النشر: تم التحديث:

في مطلع التسعينيات استقبل محمود الزعبي وفدا من كوريا الشمالية جاء لطلب معونة من القطن السوري. جواب رئيس الوزراء كان حاسما: نستطيع أن نقدم لكم القمح وليس القطن، وأنتم تحتاجون إليه بعد الفيضانات التي غمرت أراضي بلادكم وتسببت في تلف محصول الأرز.
رد رئيس الوفد الكوري جاء مفاجئاً: قل لي كيف سيحارب جيش الشعب الكوري الإمبريالية الأمريكية بدون لباس؟.. كتم الزعبي ضحكته وقال: وما علاقة الإمبريالية وحربكم ضدها بالقطن؟.. جنودنا يحتاجون إلى اللباس العسكري ونحن لا نستطيع تأمينه لهم فكيف سنحارب الإمبريالية ونحن عراة؟!
الزعبي أصر على رفض تقديم القطن لأن التعليمات التي تلقاها من "فوق" قبل وصول الوفد كانت تقول: أعطوهم القمح فقط، وكان حافظ الأسد يدرك أن الكوريين لا يحتاجون إلى القمح لأن معظم الشعب الكوري يكتفي بوجبة واحدة من الرز بينما تأتي مأكولات الزعيم الخالد للشعب الكوري وعائلته من موسكو ومعها الكافيار الروسي.
أتذكر جيداً أن الوفد عاد بعد أيام قليلة وألقى رئيسه بقنبلة صوتية عندما قال إن السفينة المحملة بالقمح اختفت في البحر ولم يجدوا لها اثراً!! رد رئيس الوزراء: مسؤوليتنا انتهت بتحميل الباخرة ومغادرتها للمياه الإقليمية السورية ورغم ذلك سنعوض لكم الخسارة بشحنة أخرى نأمل أن لا تختفي في البحر هذه المرة. وتبين فيما بعد أن حمولة القمح قد بيعت على ظهر السفينة بمجرد دخولها المياه الدولية بدولارات يحتاجها الزعيم الخالد أكثر مما يحتاج شعبه الجائع إلى القمح.
في سعيه لاستنساخ التجربة الكورية في تجييش مختلف قطاعات الشعب وإحكام القبضة الحديدية على رقبته عمد حافظ الأسد في سبعينيات القرن الماضي إلى إنشاء منظمة طلائع البعث بدلا من تجربة "الكشافة" التي كان يديرها القطاع الأهلي في سوريا وفي العديد من دول العالم.
السوريون يتندرون عندما يتحدثون عن هذه التجربة ويقولون على سبيل الدعابة ان حافظ الأسد خلال زيارته لكوريا دعي إلى مهرجان لطلائع حزب الشعب الكوري وبعد أن أبدى إعجابه بالعرض الطلائعي سأل كيم إيل سونغ: هل أستطيع أن أستمع من أحد الأطفال الطلائعيين إلى رأيه بهذه التجربة؟.
توجه كيم إيل سونغ للطفل وسأله: من هي أمك؟.. أجاب دون تردد: حزب الشعب الكوري.. ومن أبوك؟ صاح بعزم: كيم إيل سونغ. وماهي أمنيتك؟ قال: أن تنتشر تعاليم حزب الشعب الكوري وتعم كافة أنحاء العالم.
بعد أن طلب حافظ الأسد من "الرفيق" أحمد أبو موسى استنساخ هذه التجربة زار معسكر طلائع البعث في الزبداني -أصبح الآن قاعدة عسكرية للحرس الثوري الإيراني- وسأل حافظ الأسد أحد الطلائعيين: من هي أمك؟ أجاب دون تردد: حزب البعث العربي الاشتراكي!! ومن ابوك؟ قال بحزم: حافظ الأسد!! وماذا تتمنى؟ رد الطفل بصوت خافت: أن أصبح يتيما!!.
أتذكر أيضا كيف كان يأتي أركان السفارة الكورية إلى مطبعة صحيفة الثورة ليصوروا عدد الصحيفة خلال طباعته عندما يتضمن إعلانات عن إنجازات الزعيم الكوري "الخالد" كيم إيل سونغ ليقولوا للشعب الكوري ان العالم كله معجب بالتجربة الكورية ويتحدث عن إنجازات زعيمه فيما الشعب الكوري يئن من الجوع بسبب الإمبريالية العالمية كما كانوا يتشدقون.
وأتذكر أيضا أن ملاحظة صغيرة على أداء الشركة الكورية في أحد مشروعات استصلاح الأراضي في الرقة تسببت بإعدام مدير الشركة ومدير المشروع. يومها أشاد مدير الشركة السوري بأداء الشركة الكورية ولكنه أشار إلى ملاحظة صغيرة، تحدث خلال تنفيذ أي مشروع ولكن "حكمة" الزعيم الفذ كانت تقضي بإرسال كل من يخطئ إلى المقصلة.
ويتذكر أهالي الرقة أن الشركة قدمت إنجازين هائلين أولهما: استصلاح مساحة كبيرة من الأراضي غير القابلة للزراعة تحتاج إلى إعادة استصلاح وثانيهما: إن إدارة الشركة الكورية حولت جميع القطط والكلاب الشاردة في المنطقة إلى وجبات طعام لعمالها!!
وأدرك أيضا أن الشعب الكوري يعتقد إلى الآن أن فريق بلاده لكرة القدم قد فاز بكأس العالم، بعد أن تغلب على الفريق البرازيلي في المباراة النهائية - كما ذكر التلفزيون الكوري- لأنه يعرف أنه لايمكن تكذيب الخبر بسبب عدم وجود أي وسيلة اتصال سمعي أو بصري بين الكوريين وبين العالم سوى ما يبثه التلفزيون الكوري.
في الحادي عشر من شباط - فبراير 1994 توفي الزعيم "الخالد" كيم إيل سونغ وتم تكليف رئيس الوزراء بزيارة السفارة الكورية لتقديم واجب العزاء يوم الوفاة وقبل وصول الزعبي كان أركان السفارة يصطفون على مدخل المبنى ويوزعون الابتسامات الصفراء يمينا وشمالا، ولحظة وصوله رأينا كيف بدأت الدموع تنهمر من عيونهم.. وقتها همس أحد الزملاء معلقا: يبدو أن دموع الرفاق الكوريين تنهمر بوساطة جهاز تحكم عن بعد!!
أعود إلى زيارة حافظ الأسد إلى كوريا في سبعينيات القرن الماضي، حيث رافقه يومها زميلنا المصور كربيس باغدويان وكان يرافقه في سائر زياراته المحلية والدولية، ولكن زيارة كوريا كانت الأخيرة له بعد أن جاءت التعليمات من القصر الجمهوري بمنعه من مرافقة الأسد.
ولكن ما الذي جرى يومها لكي يمنع زميلنا كربيس باغدويان من مرافقة الأسد في جولاته؟
بعد عودته سألناه عن انطباعاته فقال: إن المسكين حافظ الأسد لم يهنأ بمأدبة الغداء التي أقيمت على شرفه، وأنه بعد أن بدأ بتناول الطعام بدقائق استأذن صديقه الزعيم الخالد، وذهب إلى التواليت مضطرا وكان يضع يده على بطنه من شدة المغص ويخشى أن "يفعلها" في ثيابه قبل الوصول إلى التواليت!! وبقي يستأذن الرئيس الكوري لساعات وخلال ذلك كله لم يتوقف عن تناول الطعام لكي يطمئن مضيفه أنه معجب بالتجربة الكورية، من تجربة طلائع حزب الشعب الكوري إلى وجبة الديدان التي قدمت لضيف كوريا الكبير حافظ الأسد.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.