المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

بسام جعارة Headshot

عن حافظ الأسد ورئيس حكومته من "الأصدقاء السوفييت" إلى "الأشقاء الروس"

تم النشر: تم التحديث:

تمنى عليّ عبدالله البري، وكان مديراً في مجلس الوزراء أن نذهب لنودع محمد علي الحلبي بعد أن صدر مرسوم بإعفائه من رئاسة مجلس الوزراء.
ترددت قليلاً خشية أن يؤدي اللقاء الى صدام لأنني كنت انتقد أداء حكومته، ثم حزمت أمري بعد إلحاح منه وقلت لا بأس مادام الرجل يودّع منصبه ولا توجد عداوة شخصية معه.
القاعة كانت تغصّ بالمودعين منهم من يبكي فرحاً ومنهم من يبكي حزناً لأنه سيفقد امتيازات حصلها في عهده، وعندما دخلت قال: بسام جاء مودعاً ليكفر عن ذنبه لأنه لم يكن يتوقف عن مهاجمتي بتوجيه من وزير الإعلام!
قلت له يبدو أنني أخطأت بحضوري ولكن لابد من أن أقول لك إننا كنا ننتقد أداء حكومتك ولا نصفي حساباً شخصياً معك ومن تتهمه - وزير الإعلام- كان يغضب من ملاحظاتنا وكانت توجه لكل من ينتقد اتهامات تصل الى حد التخوين، ولكن عندما جاءت التعليمات من "فوق" بمهاجمة الحكومة تمهيداً لترحيلها كما جرت العادة لم أشارك في الحملة الإعلامية ضدك وتولاها من كان يصفق لك.. قلت ذلك وخرجت بعد أن خيّم الصمت في قاعة الاستقبال.
في مطلع الثمانينيات ذهبت الى موسكو كمرافق لوفد رسمي وعندما دعي الوفد الى مأدبة غداء أقامها محمد علي الحلبي الذي أصبح بعد إقالته سفيراً في موسكو تخلفت عن الذهاب وعندما اكتشف غيابي أرسل من يقول لي إنه يتمنى حضوري.
بعد انتهاء الغداء تمنى عليّ أن أرافقه الى بيته، وهناك بدأ يتحدث عن اعتزازه بالصداقة مع السوفييت وأنه حاول توطيد العلاقات السورية السوفيتية و... لم أفهم شيئاً لأنه لم يكن يتحدث معي بل مع أشباح كما تهيأ لي.
كان يوجه رسالة استعطاف "للأصدقاء السوفييت" من خلال أجهزة التنصت المزروعة في منزله بعد أن اتهم الروس زوجته بالقيام بعمليات تهريب وطلبوا من الحكومة السورية استبداله بسفير آخر، وهذا ما حصل.
حادثة التهريب هذه لم تكن الأولى أو الأخيرة من نوعها لأنه سبق للحكومة الروسية أن طردت مراسل وكالة الأنباء السورية من موسكو بعد أن ضبطت في حقائبه كمية من المجوهرات قبل أن تقلع الطائرة باتجاه دمشق.
في الجلسة إياها روى لي محمد علي الحلبي أحد "فصول" حافظ الأسد معه وقال إنه طلب منه وعلي دوبا رئيس الاستخبارات العسكرية أن يذهبا الى مستودعات الأخشاب في منطقة الزبلطاني في دمشق بعد التفجير "الإرهابي" الذي تعرضت له.
بعد أن أمضى ساعات يتفقد خلاله حجم الخسائر والأضرار توجه الحلبي الى بيت "عديله" وتناولا معاً العشاء وكمية كبيرة من الكحول قبل أن يعود الى بيته فجراً ويقول لزوجته أن لا توقظه من النوم حتى ولو كان المتصل حافظ الأسد.
في الثامنة صباحاً أيقظته زوجته على عجل وقالت إن حافظ الأسد على الخط.. وسألني حافظ الأسد عن حجم الخسائر فأجبته ثم بدأ يطرح أسئلة جديدة تفصيلية تعجيزية وكان آخرها عن أسماء حراس المستودعات وأعمارهم وأماكن ولادتهم و.. عندها قلت له أرجوك لا أستطيع التركيز الآن لأنني شبه مخدر بفعل المهدئات التي تناولتها لأتمكن من النوم.
في اليوم التالي - يقول الحلبي - اتصل مدير مكتب الرئيس وقال لي حرفياً: يقول لك الرئيس أن تتوقف عن تناول الكحول إذا كان جسمك لا يستطيع تحمل مفعولها!
عندما اتصل حافظ الأسد برئيس حكومته لم يكن يبحث عن معلومات حول حادث التفجير لأنه حصل عليها من علي دوبا، رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية، بل أراد أن يقول له إنه يعرف كل شيء عن تحركات المسؤولين لكي لا يفكر أحد بخداعه، وعندما علم بزيارة الحلبي الى بيت قريبه أراد أن "يُعلّم" عليه، ولذلك طلب منه التوقف عن شرب الكحول.
في موسكو سألني معاون وزير التجارة الخارجية الروسي في نهاية المباحثات عن انطباعاتي عن الاتحاد السوفييتي من خلال زيارتي هذه، فأجبته إن كل شيء تمام وإننا نعتز بـ"الصداقة" مع بلدكم.
لو كنت أملك الشجاعة يومها لقلت له كيف أنني شاهدت أحد الطلاب السوريين الموفدين الى موسكو يحاول إقناع سكرتيرة السفير - تحمل شهادة دكتوراه دولة في الفلسفة كما علمت- بالذهاب معه مقابل بنطلون "جينز" لأن راتبها المتواضع كان يضغط عليها للموافقة على مثل هذا العرض! كان الاتحاد السوفييتي يومها الدولة العظمى والأقوى عالمياً ولكنه لم يكن يوفر لمواطنيه إمكانية العيش بكرامة وحرية حاله في ذلك حال معظم الدول المتخلفة.
وعلى سيرة الدول المتخلفة فقد اعتدنا أن نردد خلال زمن الاتحاد السوفييتي مصطلح "الأصدقاء السوفييت" ولكن هذا المصطلح تطور بعد قصف روسيا لشعبنا وتدميرها لبلدنا وأصبح "الأشقاء الروس" كما يردد الإعلام السوري الآن.
أخيراً وليس آخراً روى لي الزميل منصور أبوالحسن الحكاية التالية: كنا في موسكو ضمن وفد فلاحي بعد هزيمة 1967 ودعانا "الأصدقاء السوفييت" الى حفل عشاء وعندما لاحظنا غياب الملحق العسكري في السفارة السورية العميد عبدالغني إبراهيم فكرنا بمقاطعة حفل العشاء لأن عدم توجيه الدعوة له يشكل إهانة لنا وله ولجيشنا، فمعنويات جيشنا يومها كانت في الحضيض بعد الهزيمة وبالتالي كان لابد من إشعار الضباط بالاحترام والتقدير.
عندها - يضيف - منصور اقترب منا أحد المسؤولين السوفييت وقال: يجب عليكم أن تتفهموا لماذا لم ندع الملحق العسكري.. هو تسبب في إعدام مواطنين سوفييت استخدمهما في عملية لتهريب الذهب والمجوهرات.. الملحقون العسكريون كانوا كما جرت العادة يستبدلون الأزرار المعدنية لستراتهم العسكرية بأخرى من الذهب ليكون التهريب مستتراً، وكنا نغض النظر، ولكن ملحقكم العسكري لم يكتف بذلك بل هرب كميات كبيرة تستوجب سجنه لو لم يكن يتمتع بالحصانة الدبلوماسية.
بعد ترحيله من موسكو أجبر محمد علي الحلبي على التقاعد ولزم بيته حزيناً محبطاً بعد حملة تشهير طالته بسبب تهريب زوجته لعدد كبير من "الشالات" الحريرية.
أما عبدالغني إبراهيم فتمت ترقيته بعد ترحيله من موسكو وأصبح عضواً في القيادة القطرية ومديراً للإدارة السياسية في قيادة الجيش.. فقط لأنه من "عضم الرقبة".

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.