المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

بسام جعارة Headshot

بين رحاب المخبرين وأجهزة التنصت في مجلس الوزراء

تم النشر: تم التحديث:

فوجئت ذات يوم قبل دخولي إلى مكتب رئيس الوزراء بوجود سكرتير جديد كان يعمل موظفاً صغيراً في أحد مكاتب المجلس. كانت هيئته توحي بأنه يصلح للعمل كـ"بودي غارد" في إحدى الملاهي الليلية أكثر من أي عمل آخر.
فاجأني محمود الزعبي (رئيس الوزراء السوري الأسبق) عن رأيي بالسكرتير فقلت: سألتني وعليّ أن أكون صادقاً معك... هذا الشخص يعمل كسكرتير شخصي لابنك مفلح وكان معه قبل أيام في ألمانيا بقرار إيفاد منك والجميع يعلم أنه مجرد وسيط ويؤمن خدمات شخصية للسيد مفلح.
قال مستغرباً: ولماذا لم تقل لي ذلك من قبل؟
أجبت: أنا لا أتدخل في أمر لا يعنيني ولكن عندما تسألني يجب أن أكون صريحاً وصادقاً معك.
لم يتركني أكمل كلامي واتصل بمدير مكتبه محمد أنيس وقال له: عليك أن تصدر قراراً بإعادة السكرتير الجديد إلى هيئة الاستشعار عن بعد التي هبط منها إلى المجلس قبل أن يعين سكرتيراً.
قال الزعبي: ما دامت "سيرة وانفتحت" فما هو رأيك بموظفي السكرتارية الآخرين؟
ترددت بالإجابة خوفاً من ردة فعله وقلت: الأول مرتبط بالأمن السياسي وهذا أمر يعرفه الجميع، والثاني يعمل مباشرة مع اللواء ماجد سعيد مدير المخابرات العامة! فوجئت عندما قال: نعم هذا صحيح تماماً و... لكن!... وصمت دون أن يفسر لي ماذا تحمل معها هذه "اللكن".
هل فرض عليه أن يتعامل مع سكرتاريا مرتبطة أمنياً بوجود مئة طريقة للتجسس عليه خاصة وأن السكرتير السابق الذي جاء معه من مجلس الشعب انتهى دوره بهاتف من القصر الجمهوري يقول بوجوب إنهاء عمله في المجلس؟!
وماذا عن "أبو الأنيس"؟... طبعا كان يقصد محمد أنيس مدير مكتبه الذي رافقه في المناصب التي تقلدها خلال أكثر من ربع قرن وكانت تربطهما علاقة عائلية وثيقة جعلت من "أبو الأنيس" الرجل المدلل، بل إن تكريم الزعبي له وصل الى حد تعيينه عضواً في مجالس إدارات شركات نفطية أجنبية تعمل في سوريا وكان ذلك يعني أنه يتقاضى آلاف الدولارات شهرياً لمجرد كونه عضو مجلس إدارة في هذه الشركات.
صمتّ طويلاً وقلت: أعرف أن إجابتي ستزعجك ولكنني سأفعلها وأقول لك: أبو الأنيس مرتبط بالأمن العسكري وتحديداً بالعقيد "..." وقبل أن أنهي كلامي نهض من كرسيّه مشيراً بإصبعه نحوي غاضباً: لا أسمح لك... كل شيء إلا "أبو الأنيس". قالها "أبو الأنيس" وليس "أبو أنيس" لتفخيم مقام كاتم أسراره.
كان محمود الزعبي محاطاً بالمخبرين، وكان يدرك أكثر من ذلك أن مرافقه الشخصي "حافظ" مكلف بمرافقته شاء أم أبى في كل تحركاته، وذلك بأمر من قيادة الحرس الجمهوري، وبمجرد أن يتحرك موكب الزعبي كان لابد من وجود "حافظ" حتى ولو كانت الزيارة شخصية.
أما في مجلس الوزراء فكان يجلس قريباً من الباب الخلفي لرئيس الوزراء فهناك من يراقب الباب الرئيسي ولابد من مراقبة الباب الآخر.
ما لم يستطع المخبرون إنجازه كانت تتكفل به أجهزة التنصت المزروعة في كل مكان، من مكتبه إلى قاعة استقبال الضيوف مروراً بقاعة اجتماعات مجلس الوزراء، وكذلك قاعة الاجتماعات الأخرى.
قبل أن يدخل محمود الزعبي إلى ضيوفه في قاعة الاستقبال كانت تجري دردشات بيني وبين الضيوف أو بينهم وبين الوزير المعنيّ بحضور الاستقبال وكنت أضحك بصمت عندما يشطح بعض الوزراء أو الضيوف في ثرثرته وأنظر الى الساعة الجدارية التي كانت ترصد وتسجل كل شيء.
خلال اجتماعات مجلس الوزراء كان رئيس المجلس ينبه الوزراء إلى ضرورة تقيّد كل وزير بالتحدث من خلال "المايكروفون" المزروع أمامه كي لا يحسب حديثه على زميله المجاور، وكان الوزراء يضجون بالضحك في كل مرة يتم فيها التنبيه إلى ضرورة التقيد بهذه التعليمات لكي لا يحدث أي إشكال وينسب كلام الوزير إلى زميله المجاور له.
قبل أسابيع من طرد محمود الزعبي من رئاسة مجلس الوزراء قال لي في لحظة صفو إن الرئيس حافظ الأسد أوحى له أنه سيعينه نائباً لرئيس الجمهورية، وقال: هل ستأتي معي؟
قلت له: أنت تقول لي كل أسبوعين لماذا يسأل عنك الأمن السياسي... وأحياناً المخابرات العامة فأقول لك إسألهم هم عن السبب... فكيف يمكنك أن تصطحبني معك إلى موقعك الجديد وتتحمل وزر ذلك؟
قبل أيام من صدور قرار عزل الزعبي من رئاسة الحكومة ويطرد من الحزب أيضاً لأنه، وكما قال حافظ الأسد لنائبه عبد الحليم خدام "لقد خانني"، يومها استدعاني محمود الزعبي مساء وكان بانتظاري داخل المكتب على بعد خطوات من الباب وسألني بشكل واضح: هل نحن من استرجع أموال باسل الأسد من النمسا؟! قلت: وكيف لي أن أعرف ذلك؟... أجاب: ولكنك كنت معنا في الوفد وحضرت ونبيل الكزبري لقائي بمستشار النمسا! أجبته: هذا صحيح ولكن لم يتم خلال وجودي بحث هذا الأمر وأنا لا أعرف أي شيء عن هذه القضية.
هذا الحوار أراده محمود الزعبي أن يكون في المكان المناسب من مكتبه أي في المكان المزروع فيه جهاز التنصت وأراد من خلال ذلك إرسال رسالة تقول إننا لم نثرثر في هذه القضية ولم نفش سراً حول مليارات باسل الأسد التي كان قد أودعها في بنوك النمسا وأن مصدر التسريب هو جهة أخرى وليس محمود الزعبي أو من كان معه.
خلال اجتماعات المجلس الأعلى للفلاحين كان أحمد قبلان عضو القيادة القطرية يخاطب الزعبي: يا سيادة الرئيس بينما يفترض أن يخاطبه بكلمة "رفيق" لأنه رفيقه في القيادة القطرية، وكنا نعلم أنه يخاطبه بهذه الطريقة الذليلة بسبب طمعه في الحصول على توقيع منه على معاملة أو صفقة تدر ربحاً.
بعد انتهاء محاكمة الزعبي في القيادة القطرية اقترب منه أحمد قبلان وقال له حرفياً: لقد وقعت يا لص! فأجابه محمود الزعبي بحزن: حتى أنت يا...!
كنت في مكتب محمد أنيس عندما تلقى اتصالاً هاتفياً يعلمه بطرد محمود الزعبي من الحزب.
يومها نظرت إلى "أبو الأنيس" أنتظر تعليقاً ولم يخيب ظني أو يصدمني عندما قال شامتاً: لقد طردوه من الحزب أيضاً... طبعاً "اللي بياكل بصل بتطلع ريحته"... ولكنني يومها لم أشمّ سوى رائحة "أبو الأنيس".

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.