المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

بسام جعارة Headshot

عن "تاجر القناصات" سليمان معروف

تم النشر: تم التحديث:

الإنزال "المظلي" الوحيد الذي عرفه مكتبي في رئاسة الوزراء كان عندما اقتحم مفلح الزعبي خلوتي وقال محتداً: هل تريد أن تخرب بيتنا؟!
قلت: من أنا لأخرب بيتكم وماذا فعلت بكم؟... رد غاضباً وكأنه يصدر أمراً: عليك أن تتصل فوراً بمحافظ حلب محمد مصطفى ميرو وتطلب منه أن يوقف الإجراءات التي طلبت منه اتخاذها بحق سليمان معروف.
أجبته: أنا لا أصدر قرارات ولم أطلب شيئاً وكل ما فعلته هو أنني نقلت له ما طلبه مني رئيس مجلس الوزراء وهو أن يصدر أمراً عرفياً في حق من قطع أشجار الحديقة العامة بحلب.
ردّ معترضاً: ألا تعرف من هو سليمان معروف... ألا تعرف أنه الصديق المقرب من بشار الأسد وأن أي احتكاك به سيقلب الدنيا على رؤوسنا؟!
قلت: كل ذلك لا يعنيني وكل ما فعلته هو أنني نفذت ما طلب مني تنفيذه.
صمت قليلاً وقال باستعطاف: أرجوك اتصل فوراً بالمحافظ واطلب منه أن يتوقف عن فعل أي شيء الآن ريثما أتمكن من التحدث إلى والدي.
قلت بهدوء: أنا لست موظفاً عندك، ولا أتلقى الأوامر منك بل من محمود الزعبي بصفته رئيساً للوزراء وليس بصفته والدك وعليك أنت أن تتصل بأبيك وتطلب منه ما تريد.
أجابني وهو يرتعد خوفاً: الوقت يمر بسرعة وحاولنا الاتصال به دون جدوى لأنه في اجتماع القيادة القطرية للحزب كما تعرف، وعندما اتصلنا بمحافظ حلب قال إنه سينفذ التوجيه إذا لم يتلق تعليمات جديدة من أبي مباشرة أو من خلالك لأنك أنت من أبلغه بالتوجيه.
قلت: هذه مشكلتك وليست مشكلتي. فنظر إليّ غاضباً وخرج مسرعاً.
سليمان معروف
صديق شخصي لبشار الأسد وزوجته صديقة لـ"السورية الأولى" أسماء الأسد، أما لقبت "تاجر القناصات" فظهر بعد فشله بشراء بنادق قنص متطورة من جنوب افريقيا بطريقة رسمية وشرعية مما اضطره لشرائها بالسر وتهريبها إلى سوريا لقتل المتظاهرين خلال الأشهر الأولى للثورة.
في آذار/مارس 2012 تسلل مجهولون إلى بريد بشار الالكتروني واتضح من بعض الرسائل أن سليمان معروف هو من كان يقوم شخصياً بتأمين مستوردات ومشتريات ممنوعة على بشار وزوجته فكان سليمان يقوم بدور "البديل" ويشتري ببطاقات فيزا وغيرها بضائع فاخرة للتهرب من الحظر الأوروبي المفروض على الزوجين الرئاسيين.
"التايمز" البريطانية ذكرته أنه يمكن الاشتباه بأنه قام بعمليات غسيل أموال عبر تمريره ملايين الجنيهات إلى قنوات شبكة حسابات مصرفية له بسويسرا وألمانيا وبيروت وأن رصيد أحد حساباته كان 48 مليون دولار عام 2011 وفق الصحيفة.
وجمدت بريطانيا أرصدته وأملاكه ومنعته أيضاً من السفر إلى دول الاتحاد الأوروبي ومن سحب أي مبلغ من حسابه المصرفي إلا بإذن رسمي.
الاتحاد الأوروبي أدرج اسمه في 16 تشرين الأول/أكتوبر 2012 مع 26 وزيراً سورياً وشركتين ورجل أعمال سوري ممن شملتهم العقوبات للتضييق على خناق الداعمين لبشار.
ويقيم سليمان مع زوجته وأولاده الثلاثة في منزل قام بتحويل ملكيته إلى شقيقته حيث يقيم أيضاً أبواه وبعض أفراد عائلته وأقاربه. نعم هو يقيم في لندن واشترى أسلحة لقتل السوريين ولكنه لم يحاسب بريطانياً وأوروبياً على فعلته هذه.
ولكن ما الذي جرى في ذلك اليوم من تسعينات القرن الماضي قبل أن يقتحم مفلح الزعبي مكتبي؟
جاءني اتصال هاتفي من صديق في حلب يقول إن سليمان معروف الذي حصل على موافقة خاصة على استثمار أرض الحديقة العامة في حلب ليقيم مشروع "دريم بارك" الذي يضم سلسلة مطاعم وصالات ألعاب قام بقطع أشجار يفوق عمرها المئة عام، وكنت أعلم أن رئيس الوزراء لن يجرؤ على اتخاذ أي قرار بحقه وهو الصديق المقرب من بشار الأسد وشريكه.
انتظرت يومها حتى اقترب موعد ذهاب رئيس الوزراء إلى اجتماع القيادة وقلت له وهو يهم بالمغادرة بما جرى من قطع أشجار دون أن أذكر اسم الفاعل فطلب مني أن أتصل فوراً بمحافظ حلب ليصدر أمراً عرفياً باعتقاله.
عندما اتصلت بمحمد مصطفى ميرو محافظ حلب ضحك وقال مستغرباً: هل أنت متأكد أن رئيس الوزراء يطلب سجن سليمان معروف؟ فأجبته: عليك أن تطرح عليه هذا السؤال وأنا لست طرفاً في هذه القضية.
بعد حوالي ساعة من مغادرة مفلح الزعبي لمكتبي هاتفني رئيس الوزراء وقال لي أن أتصل فوراً بالمحافظ وأن أقول له أن يوقف جميع الإجراءات.
وعندما فعلت ضحك المحافظ من جديد بسخرية وقال: أنا أصلاً لم أتخذ أي إجراء لأنني كنت أعلم أنك ستتصل من جديد وتطلب مني ذلك.
بعد إقالة محمود الزعبي ومقتله بأشهر قليلة جاء من يخبر بشار الأسد أن عائلة الزعبي تبيع مفروشات البيت لتتمكن من تأمين احتياجاتها فقال للرسول: يمكن لزوجته أن تأخذ ما تريده من ابنها مفلح الزعبي لأنه يملك الملايين.
لا أعرف كم كان حجم ثروة مفلح الزعبي ولكن الرقم لا يتجاوز عشرات ملايين الليرات السورية لأنه لم يستطع أن يحصل على أكثر من ذلك، وكانت رصاصات مفلح التي يطلقها على سقف البيت هي طريقته المثلى للحصول على توقيع الوالد على معاملات كان يقبض عمولتها، ورغم ذلك، أقول إن ترتيبه في سلم اللصوص يأتي في مرتبة متأخرة قياساً ببقية المسؤولين.
قال حافظ الأسد لمحمود الزعبي مرة معاتباً إن الرئيس حسني مبارك أعلمه بوجود استثمارات باسم مفلح الزعبي في القاهرة، ولكن الأسد العجوز لم يقل للزعبي أن مبارك طلب منه وضع حد للعميد محسن سلمان الذي أرسل باخرة محملة بالمخدرات إلى ميناء بورسعيد.
لم يتخذ حافظ الأسد أي إجراء بحق العميد محسن سلمان ولكن بشار فعلها لسبب آخر بعد ان اكتشف خلال إحدى زياراته إلى لبنان أن موكب مرافقة العميد محسن يضم أكثر من 13 سيارة بينما لم يتجاوز عدد السيارات المرافقة لبشار عدد أصابع اليد الواحدة.
انتحر محمود الزعبي بثلاث رصاصات في الرأس وقتل بعد ذلك ابنه المدلل همام وقيل حينها أنه توفي نتيجة تعاطيه جرعة كبيرة من المخدرات وليس لأنه "طوّل لسانه" واتهم بشار بقتل أبيه.
سليمان معروف يتمتع في لندن بالأموال التي نهبها من سوريا ولم يحاسب أوروبيا على استيراد قناصات لقتل السوريين وبشار ما زال يرتكب الجريمة تلو الأخرى.
أما مفلح الزعبي فهو لا يقاتل مع ثوار حوران انتقاماً لأبيه وأخيه همام بل يشبح في دمشق ويطلب من قاتل أبيه أن يبيد الشعب السوري بالبراميل!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.