المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

بسام جعارة Headshot

هل كان آصف شوكت "حصان طروادة" في بيت الأسد؟

تم النشر: تم التحديث:

قابلت العماد آصف شوكت مرة واحدة فقط، كانت الأولى والأخيرة، وكان وقتها يشغل منصب نائب رئيس شعبة المخابرات العسكرية.

كنت عائداً من المغرب بعد غياب عن البلد طال أكثر من ثلاث سنوات، وعندما غادرت مكتبه أيقنت أن هذا الرجل سيقتل عاجلاً أم آجلاً.

موعد القتل تأخر حتى 18 تموز/يوليو 2012 عندما قتل في حادث تفجير "خلية الأزمة" في مقر مكتب الأمن القومي مع عدد كبير من المسؤولين الأمنيين والعسكريين.

ماهر الأسد وابن خاله العميد حافظ مخلوف كان من المفترض أن يكونوا ضمن الضحايا ولكنهما تخلفا عن حضور الاجتماع في اللحظات الأخيرة مما رسم العديد من إشارات الاستفهام حول السبب الحقيقي لتغيبهما عن هذا الاجتماع بل قيل أيضاً أن بشار الأسد كان سيترأس هذا الاجتماع.

صباح الخميس 13/12/2003 تلقيت اتصالاً هاتفيا من رقم مجهول وقال المتصل: أنا آصف شوكت. أنتظرك في مكتبي وسيكون هناك من يستقبلك في مكتب الدخول وكل ما عليك أن تقوله هو: أنا الصديق. أما لماذا لا يريد أن أفصح عن اسمي وهويتي وأن لا أحضر سيارتي الخاصة وهو المسؤول الأمني الكبير وصهر بشار الأسد فهذا لم أجد له تفسيراً في تلك اللحظات ولكنني علمت فيما بعد أن بشار الأسد كلف اللواء علي يونس بمراقبته ورصد تحركاته وبالتالي لم يشأ أن يعرف احد باللقاء.

اللقاء كان ودياً واكتسب طابع الدردشة أو لنقل الاستجواب اللطيف حول عدد من القضايا التي كنت شاهداً عليها قبل سفري إلى المغرب وكان من ضمنها قضايا تتعلق بصفقات فساد أبرمت آنذاك وبالتوجيهات التي كان محمود الزعبي يتلقاها من باسل الأسد قبل وفاته ومن بشار الأسد قبل أن يجلس على العرش، ومسائل أخرى محددة تتعلق بعدد من مؤسسات الدولة والوزارات وأيضاً بعدد من الوزراء والمسؤولين.

الاستنتاج الرئيس الذي خرجت به بعد اللقاء الذي استمر أكثر من خمس ساعات هو أن الرجل سيكون مصيره التصفية من قبل بشار وعصابته ليس لأنه أصبح صهراً للعائلة ضد إرادتها بل لأنه وفق رؤية آل الأسد له تطلعات وطموحات لا يمكن تحقيقها إلا على حساب نفوذ العائلة وتمددها الأخطبوطي سياسياً وأمنياً ومالياً.

ولأنه أيضاً وفق رؤية العائلة والمقربين منها يشكل اختراقاً خطيراً وينظر إليه كـ"حصان طروادة" ضمن عائلة الأسد، وكانوا يغمزون إلى علاقته المميزة بالرئيس الفرنسي السابق ساركوزي منذ أن كان وزيراً للداخلية، وكان آصف شوكت وبشرى الأسد يقطنان في شقة مجاورة لشقته عندما يزوران باريس.

صحيح أن آصف شوكت ولد ونشأ وترعرع في قرية "المدحلة" العلوية في ريف طرطوس ولكنه سنّي من أصول بدوية استطاع أن يفرض نفسه على آل الأسد من خلال العلاقة العاطفية التي ربطته ببشرى الأسد، وهو أمر لا يغتفر. وما زال سر هذه العلاقة الغامضة غير المتوازنة بين صبية يصطف طابور من الجنرالات ورجال السياسة طلباً لودها والتقرب منها والارتباط بها، وبين جنرال سني بدوي يكبرها بأكثر من عشرة أعوام ومتزوج ولديه أولاد، لغزاً محيراً بل كان ينظر إليها كمؤامرة ضد بيت الأسد.

عندما أصر باسل على موقفه المعارض للزواج أمر باعتقال آصف شوكت ثم أفرج عنه بعد فترة قصيرة نتيجة عناد بشرى وتدخل الأسد العجوز، وتكرر الاعتقال أربع مرات لم تكن كافية لردع آصف أو منع بشرى من لقائه.

في 21 كانون الثاني/يناير 1994 قتل باسل الأسد في حادث سير ورافق ذلك تعتيم إعلامي وتم سحب السيارة فوراً من مكان الحادث ووضعت في مكان آمن قبل أن يتم شحنها على متن طائرة خاصة إلى ألمانيا لمعاينتها من قبل شركة مرسيدس المصنعة، وخلافاً للعادة لم يصدر أي بيان من الشركة في هذا الشأن، وان كان آل سنقر، وكلاء مرسيدس، قالوا إنه لم يتم "اللعب" بالسيارة ولكن الحادث أزال عقبة كبيرة أمام شوكت، فمن كان يهدده ويسجنه انتقل إلى العالم الآخر.

هل فعلها آصف شوكت؟... لا أعتقد ذلك ابداً ولكن هناك من حاول أن يوحي بذلك لإبعاده عن المشهدين العاطفي والأمني والحلول مكانه، وأعني بذلك أولئك الذين كانوا يطمحون للزواج من بشرى.

بعد سنة واحدة من مقتل باسل قررت بشرى الهروب مع العاشق وكانت قد اشترت منزلاً في منطقة المزة فذهبا إليه وتزوجا سراً، وبعد أيام فوجئ العريسان بحرس أمام منزلهما، وعندما استفسرا عن الأمر تبين أن الرئيس الوالد قد أرسلهم لحمايتها.

بشرى الأسد كانت في صراع دائم مع باسل الأسد ليس فقط بسبب العشيق بل خلال تسابقهما لنيل الحظوة عند الأسد العجوز ولكنها كانت الأقرب لأبيها بحكم إشرافها على وضعه الصحي، مما مكنها من الاقتراب من الصندوق الأسود للعائلة (حافظ الأسد)، ولكن هذا الاقتراب كان يصطدم بعقبة عدم إمكانية تأهيلها لوراثة العرش بسبب كونها أنثى.

هذه العلاقة المتوترة لم تنته إلا بعد موت باسل الأسد، وكان بشار خارج دائرة الصراع لأن باسل كان لا يتوقف عن تأديبه كلما أخطأ وكانت محاولة إصلاحه تتم بالضرب وكانت الأخطاء تتكرر يومياً. أما الشقيقة بشرى فكانت لا ترى فيه منافساً محتملاً بوجود غول اسمه ماهر الأسد.

الزواج الذي رفضته العائلة لم يكن الرفض الأول لمن اختارته بشرى الأسد فقد سبق للعائلة أن أنهت قصة حب ربطتها بحازم الشهابي ابن رئيس الأركان العماد حكمت الشهابي في ثمانينات القرن الماضي.

وقتذاك جاء رفعت الأسد الى منزل شقيقه وقال لأمها أنيسة مخلوف: هذا الزواج لن يتم لأنه زواج سياسيا واذا حاولتم اتمامه سأفجر هذا البيت على رؤوسكم.

ثم جاء من يقنع العماد حكمت بإنهاء القصة بعد أن فشلوا في إقناع بشرى، وتم ترحيل حازم الشهابي إلى أمريكا، ولكن غضب بشرى لم يهدأ وظلت تتحين الفرصة المناسبة للانتقام ورد الاعتبار وفعلتها عندما تزوجت سنيا آخر بل بدوي ومتزوج وعنده أولاد أيضاً هو آصف شوكت.

قبل مقتل آصف شوكت بأسابيع كلف بشار الأسد اللواء عبد الفتاح قدسية رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية بتأديب العماد آصف شوكت كما فعل تماماً فيما بعد مع اللواء رستم غزالة عندما كلف رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية رفيق شحادة بتأديبه ومن ثم التسبب بوفاته.

اللواء قدسية لم يشأ تنفيذ هذه المهمة وهي تقييد رجلي آصف شوكت وضربه بالعصا ةولكنه فعلها مجبراً.

ماذا فعل آصف شوكت ليتم ضربه وتأديبه قبل ان يقتل في حادث تفجير خلية الأزمة؟ هل كان يتأمر مع بعض القادة الأمنيين والعسكريين الذين لقوا حتفهم في حادث تفجير خلية الأزمة، للإطاحة ببشار الأسد بدعم خارجي أم لسبب آخر يمكن أن يظهر في مقبل الأيام؟

قبل أن أغادر مكتب آصف شوكت قال لي: اليوم ليلة رأس السنة وسوف أقدم لك هدية بهذه المناسبة وقدمت مثلها لصديقي الشاعر ممدوح عدوان.

اعتذرت بلطف وقلت ضاحكاً: عندما نصبح أصدقاء سأتقبل الهدايا منك... وكنت أعلم أننا لن نلتقي أبداً و... لن نكون أصدقاء.