المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

بسمة سيد Headshot

فانتازيا الحب!

تم النشر: تم التحديث:

هذه الأحداث خيالية ولا تمت للواقع بصلة، وأي تشابه بينها وبين الحقيقة التي تلمسها كل يوم فتأكد أنه مجرد تشابه.. " مقصود!"

هي فتاة جميلة، حديثة السن، تعيش في كوخ صغير مع والديها، تستيقظ كل يوم مع أول خيط تمده الشمس في السماء ملقياً بضوئه على نافذتها، يداعب عيناها التي لاتزال ناعستين، ويخبرها أن هناك ما يستحق أن تترك فراشها الدافيء لأجله!

تعيش أيامها بنصف عقل ونصف قلب ونصف اهتمام، إذ فرغت النصف الآخر لأحلامها وخيالاتها، بالفارس الذي يأتي ممتطياً حصانه، لترتدي هي فستانها الأبيض الذي يشبه ملابس الملكات إيذاناً ببدء حياة جديدة ككل الفتيات في عمرها!

وأتى اليوم الذي طرق فيه الفارس بابها، رحب به الأهل، واستعدت هي لحلمها الموعود، وبينما هي تتقلب في نشوة الحلم الذي ما لبث أن يتحقق، حتى أتتها جارتها، سيدة عُرفت بالحكمة، أتت تحمل التبريكات والتساؤولات أيضاً..سألتها عن أمر لا تعرفه ولم تعرفه.. سألت عن الحب!

لم تعرف الفتاة بم تجيبها، فهي لاتعرف شيئاً عن ذاك الحب الذي تتحدث عنه الجارة، فاستطردت قائلة:"أسألك عن الإكسير الذي سوف تتغذى عليه أحلامك، والغصة التي تبقى مرارتها في حلق السعادة "

وماهو ذاك؟
فأجابتها "الحب"
وما هو الحب ؟!

هذا هو السؤال الذي يجب أن تعرفي إجابته بنفسك..

لم تكن تعرف الفتاة عن السعادة سوى الفستان الأبيض، والبيت الجديد، ولكن كلمات الجارة أثارت مخاوفها، فقررت أن تبحث عن إجابة السؤال، لتبدأ رحلتها بين القرى المجاورة لقريتها، لعلها تجد من تتعلم منه عن الحب.

ذهبت وحيدة..متحمسة وقلقة، قررت أن تبدأ بأقرب بلدة لها، يسمونها أرض العلم، دخلت لتصادف رجلاً يبدو عليه الحكمة والفهم، يحمل في يده قوارير مختلفة الحجم، اقتربت منه قائلة" جئت أسأل عن الحب..هل تعرف يا سيدي ماهو؟"
رد متحمساً: "نعم سليني أنا عنه، فإني أعمل على صناعته."

- تصنع الحب ؟!

- نعم أصنع الحب، شراب يتناوله المرء فيعبث بهرموناته، ويشعره بنشوة عارمة، تمتد حتى ينتهي تأثير الدواء.

- دواء؟! بلا فرسان، ولا أحصنة، ولا فستان أبيض.

- أها.أنتي كبقية الناس، يعتقدون أن الحب يحتاج فستان وفارس؟ اتركيني حتى أنتهي من صناعة الحب وسأثبت لكم أنكم جميعاً.. مخطئون.

تركته مستغربة، وقد كبر التساؤول بداخلها، وازدادت رغبتها في معرفة الإجابة، حتى استوقفها في الطريق مسجد صغير، آثرت أن تدخله لترتاح قليلاً، وتسأل أهل الذكر عن ما يؤرقها، وعند باب المسجد وجدت شيخاً عجوزاً فسألته:

- يا شيخي، جئت أسألك عن الحب؟
- فأجابها:

-الحب؟! دعي عنك هذا الهراء يا ابنتي، فكلنا راحلون إلى الله ولن تنفعنا سوى صلاتنا وعبادتنا..ادخلي وصلِ لله ركعتين ثم ارجعي لبيتك وأهلك وأريحي عقلك من هذه الترهات.

سمعت له، دخلت لتصلي، فرأت شيخاً آخر كان جالساً بالمسجد يناجي ربه، اقتربت منه وقالت: أريد أن أصلي بعد إذنك، وأعود أدراجي للبيت قبل الغروب، فهلا أفرغت لي المسجد لو سمحت؟ وما الذي أتى بك بداية؟

جئت أسال عن الحب فنصحني الشيخ بالصلاة وترك هذه التساؤولات الفارغة على حد قوله.

- فارغة ؟! سامحك الله يا أخي، وهل صلاتنا يا بنيتي سوى حب؟ صلِ لله واطلبي منه أن يمنحك الحب، فإنه سر الخلق ونواة الكون، وإنه الإكسير الذي سوف تتغذى عليه أحلامك، والغصة التي تبقى مرارتها في حلق السعادة.

لقد قلت الكلمات ذاتها التي قالتها لي جارتي!

أفرغي من صلاتك يا ابنتي، ثم تحسسي طريقك نحو الإجابة، واعلمي أن القلوب التي لا تثمر بالحب، لا تعرف لله طريقاً.

تابعت طريقها وقد ازدادت حيرتها، حتى وقفت على أعتاب قرية يسمونها القرية الزرقاء، كل بيوتها وأبوابها وحتى زروعها زرقاء اللون، أما قومها فهم لا يفعلون شيئا سوى الكلام، يتكلمون طوال الوقت ولا يتوقفون، يقف بعضهم على منصة دائرية كبيرة ليمارسون التكلم الذي لا يعرف أهل القرية سواه، ومن حولهم البعض الآخر يصفق للكلمات، ثم يتبادلون الأدوار، ليصفق من كان متكلماً منذ قليل.

وكان للقرية باباً وحارساً، ذهبت إليه وسألته: " سيدي جئت أبحث عن معنى الحب ، فهل أجد في أهل قريتك من يدلني ؟!"

تنهد الرجل، وأغمض عينيه ثم قال: آه يا ابنتي ,, لقد سألت عن عظيم، ادخلي القرية لعلك تجدين في كلماتهم ما تبحثين عنه.

زاحمت أهل القرية حتى وصلت للمنصة وأخذت تنصت لهم، كان هناك العديد من الشبان والفتيات على المنصة، يختلي كل اثنين منهم بعيداً عن البقية، اقتربت من أحدهم فسمعته يقول لفتاته:"هنلعب بلاي استيشن ونتراهن ع المواعين"

فردت الفتاة "بس تجيبلي مصاصة وغزل بنات وتديني الباسوورد بتاعك" فأجابها "لازم موضوع الباسوورد ده؟!" فقالت "يبقى انت ما بتحبنيش" قال لها: "خلاص هاديهولك"

وفجأة احتد التصفيق ونزل الاثنان من على المنصة ليصعد غيرهما، حاولت أن تفهم كلماتهم فلم تستطع كانت لغتهم غريبة عليها للغاية، فآثرت الانتظار لعلها تفهم عن غيرهما، وبينما هم كذلك نزلت بالقرية عاصفة قوية، فانفض الجميع من حولها، وأفلتوا أيدي بعضهم البعض، لم ينتظر أحدهم الآخر ولم يحاول حمايته، اندفع الجميع نحو باب القرية، واتجهت هي معهم تركض نحو باب القرية مصدومة، لا تعرف ما تفعل، وإذ بها تسمع صوت الحارس يناديها: اخرجي يا ابنتي، اذهبي من حيث أتيت.

ولكني لم أفهم شيئاً، لقد أخبرتني أني سأجد إجابة سؤالي هنا، ولكني لم أفهم شيئاً.

أتسألين عن الحب؟ الحب يا بنيتي ألا يحدث ذلك كله!

نظرت إليه طويلا في ذهول، تركته ومضت حيث طريق العودة لقريتها يائسة.

لقد ضللت الطريق.. قالتها وهي تبكي، فلم تعد تبصر طريق العودة من شدة العاصفة، فآوت لظل شجرة حتى لا يجتمع عليها الحر والحزن، سمعت صوتاً يتمتم بكلمات لم تفهمها يتخللها بكاء ونحيب، أفزعها الأمر فقامت تبحث عن مصدر الصوت، لتجده شاباً حزيناً يجلس مسنداً ظهره للناحية المقابلة من الشجرة، يبكي ويتمتم، فبادرته قائلة: يبدو أنك تائه مثلي .. أريد أن أعود لقريتي .. قرية الأمنيات.

- سمعت عنها، وأجهل الطريق إليها، ولكنك إن اتخذت هذا الطريق ستصلين لقرية قريبة منها على ما أسمع، ولكن..ما الذي أتى بك إلى هنا ؟ هذا مكان لا يعرفه سوى قليلون.

- رمتني الرياح.
- كما رمتنا جميعاً!
- عمن تتحدث..أنا لا أرى سواك هنا؟
- كل منا هنا وحيدا ..
- هل تعرف شيئاً عن الحب؟
- الحب؟! لقد أتيت من أرض الخوف، وأهل الخوف لا يعرفون شيئاً عن الحب!

تركته، اتخذت الطريق الذي أشار عليها به، لعلها تجد لمنزلها سبيلا .

- سلام عليك سيدتي .. قيل لي أن بقريتكم من يدلني طريق العودة لقريتي .. قرية الأمنيات ..
- الأمنيات..إنها قرية جميلة ، نعرفها ولم نزرها قط، اصحبيني في طريقي وسأرشدك إلى الاتجاه الذي تسلكين.

كانت المرأة رقيقة الحال، تحمل بين يديها قطعة قماش كبيرة ملفوف فيها بعض الطعام، تمشي مثقلة يبدو عليها الهم.. فبادرتها الفتاة سائلة..
- عذراً سيدتي، ولكن إلى أين انتِ ذاهبة..
- إلى السجن في آخر القرية.
- السجن!
- نعم يا ابنتي، إن لدينا ملك ظالم، يستبيح الحرمات والأرواح، ويستبيح الأرض والعرض، يريدنا أن نخرج من أرضنا، وقف له زوجي بالمرصاد، فسجنه وعذبه .
- يا الله..هون الله عليكي..ثم تمتمت وأنا التي كنت سأسألك عن الحب!
- ماذا قلتي؟
-لا شيء، كنت أحدث نفسي، لقد ضللت الطريق وأنا في رحلتي للبحث عن إجابة سؤال حيرني، ولكن الطريق طويل وشاق، فآثرت العودة، ولكن حينما أخبرتني أنك تعرفين الطريق لقريتي، ملأني الحزن لأني سأعود و لم أجد الإجابة بعد..
- وماهو سؤالك؟
- لا أظنك تعرفين الإجابة..كنت أسأل عن الحب.

نظرت إليها في حنان وابتسمت قائلة:
- الحب..اسأليني أنا عن الحب، الحب هو الوطن الذي نهرع إليه ونسكنه، والوطن هو الحب الذي يسكننا، الحب وليد الجرح، وليد المقاومة، بل هوالقوة التي تعيننا على المقاومة، الحب هو أن نعبر عجزنا وضعفنا كي نصل لمن نحب، أن نكمل المسير مهما بدت الطريق وعرة، الحب هو الأمل الذي يحملني لزوجي كل يوم بخرقة القماش هذه، وأنا أعلم ما سوف ألاقيه من جنود الملك الظالم هناك، هذه قريتك يا ابنتي من هنا، اذهبي وتحسسي طريقك للحب، وسأتركك أنا إلى حيث الحب!

شكرتها الفتاة، وواصلت طريقها نحو قريتها وهي تفكر بكل ما لاقته في رحلتها، وكل الإجابات التي حصلت عليها، والتي لم تحصل عليها!
وحينما وصلت لباب دارها وجدت فارسها ينتظرها أمام الباب ممتطياً جواده، خاملاً كئيباً، وبمجرد أن رآها قال لها معنفاً: أين كنت كل هذا الوقت، لقد انتظرتك طويلاً ؟

قالت : كنت أبحث عن إجابة سؤالي .. عن الحب.
الحب ؟!

كنت أعلم أنك لا تعرفه، كما كنت أنا !

وهل عرفتي ماهو ؟
نعم .. عرفت
وماهو إذن ؟

الحب هو أن لا تنتظرني هنا على جوادك، بل تترجل خلفي حينما غبت عنك، الحب هو أن تصحبني إلى هناك لتكون معي حين أضل الطريق، الحب هو ألا تكون هنا حين أكون أنا هناك ، الحب هو ألا يحدث ذلك كله !

تركته خلفها متسائلاً، دخلت بيتها واحتضنت والداها، ثم التفتت لتجد جارتها الحكيمة تنتظر عودتها، هرعت إليها وجلست عند أقدامها، نظرت في عينيها وقالت..

إنه الإكسير الذي سوف تتغذى عليه أحلامنا، والغصة التي تبقى مرارتها في حلق السعادة، إنه النور الذي يخبرنا كل صباح أن هناك ما يستحق أن نستيقظ لأجله، وهو الوطن الذي لم أجده بعد!.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.