المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

بسمة سيد Headshot

معادلة الحرية والسعادة !

تم النشر: تم التحديث:

أذكر ذلك جيداً، منذ التحاقي بكلية الإعلام وأنا أحلم باللحظة التي سأبدأ فيها بتطبيق ما أدرس، أحلم بعملي، بمكتبي، بذاك المكان الصغير الذي خلت أنني من بين جنباته، سوف أغير العالم!
وبدأت رحلتي مبكراً مع كتابة السيرة الذاتية، الكورسات، التقديم في الشركات كمتدربة ثم كموظفة، حتى بدأت عملي كباحثة في مجال الاتصالات التسويقية بإحدى شركات البحوث والاستشارات، سعدت كثيراً بعملي بالرغم من أنه كان يحمل 40% فقط من تخصصي، زملائي الذين صاروا بالوقت من أقرب أصدقائي، ورؤسائي الذين اعتبرتهم أساتذتي وأخوتي الكبار قبل أن يكونوا مجرد رؤساء عمل.
وهكذا باتت حياتي تتمحور حول هذا المكان بكافة تفاصيله، حتى دراستي للماجستير تأثرت بانغماسي في عملي، ناهيك عن بقية الأنشطة الاجتماعية والحياتية الأخرى التي لم أكن أيضاً أمارسها سوى مع زملائي في العمل!
تدريجياً.. بدأت أعاني مشاعر متناقضة، فأنا أحب المكان الذي أعمل به كثيراً، ولكني لا أحب عملي ذاته بالدرجة نفسها، لا أريد أن أترك المكان ولكني أشعر باختناق شديد وكأن هناك ما يكبلني، أحب زملائي ورؤسائي ولكني أريد أن أذهب لبيتي سريعاً ولا أستطيع البقاء في الشركة لدقيقة إضافية واحدة.
وحينما أدركت أنني أصبحت لا أحب عملي بالقدر الكافي، قدمت استقالتي ، ولم تقبل بسهولة ولم أتقبلها أنا أيضا بسهولة، فمغادرتي لهذا المكان لا يعني فقط أني أترك عملي، بل تركت بذلك حياة بأكملها عشتها في هذا المكان الذي عشقته وتعلقت به.
ذهبت لمكان آخر، أكثر قرباً لمجالي الذي أحبه، واعتقدت أني سوف أكون أكثر سعادة بوجودي هناك، ولكن لم يحدث ذلك للأسف، وامتد هذا الشعور معي حين ذهبت للمؤسسة الثالثة أيضاً، شعور خانق بأني لا أريد العمل، لا أريد رؤية زملائي، الذهاب يومياً والجلوس على مكتبي!
ما الذي يحدث، وهل الحل أن أجلس في بيتي متفرغة لأي شيء من اهتماماتي سوى العمل؟!، ولكني أعلم جيداً أني لا أحب حياتي بلا عمل، سيل من التساؤلات والأفكار المتلاحقة، كلها تحاول إيجاد إجابة لتساؤل واحد كبير: ما هي مشكلتي مع عملي "لا أحبه ولا أقدر على بعده؟"
لازلت أذكر المرة التي كنت أسير فيها في طريقي للعمل، شارعاً ممتداً يمر على العديد من محلات الملابس، الأثاث، المطاعم والمقاهي ذات الطابع الغربي العصري، نظرت وقتها للناس من حولي وهم ذاهبون لأشغالهم، لأول مرة أشعر وكأنهم قطيع يذهبون ناكسي الرؤوس نحو الهدف المنشود صباح كل يوم، يذهبون ليعملوا لدى أشخاص آخرين، فقط ليتقاضوا مالاً آخر الشهر، قد يكون كافياً لاحتياجاتهم وقد لا يكون، ولكن الأكيد أنهم لا يغيرون العالم!
لأول مرة أشعر بتلك الوجوه البائسة التي تضيع أعمارها لجمع المال، وحينما شعرت بهذا البؤس على وجوههم أدركت مشكلتي مع العمل، إنها الحرية!
حريتي التي أشعر بأنها تسلب مني في كل مرة أضطر فيها للنزول من بيتي في وقت لم أحدده أنا، وأتبع قواعد لم أضعها أنا، بل وأعاقب على عدم التزامي بها، حينما أعتذر عن التواجد بنشاط كان يسعدني، أو أحرم من رؤية صديقاتي والتنزه مع أهلي، والسبب هو العمل، أي حياة هذه؟!
يقولون إن العمل عبادة، كلما أرادوا أن يقنعوا أحداً بأهميته، نعم إن العمل عبادة، كالصلاة والصيام، ولكن الله لن يرضى عنا إن قضينا أعمارنا كلها في الصلاة، أو قطعنا حياتنا كلها للصيام!
العمل شرف، نعم هو شرف ولكن إن سلبك حريتك، وأثر على علاقاتك الاجتماعية، وجعلك تتنازل تدريجيا عن حق روحك في الحياة، فأي شرف ترتجيه من العمل!
العمل يجعل المجتمع يتقدم إلى الأمام، نعم ولكن لماذا يتقدم على أكتافي أنا وحدي، ولم أتحمل كل هذا العبء فقط ليتقدم المجتمع؟!
لم أنجح أبداً في إقناعي وقتها بأي أهمية للعمل، وأخذت أمشي إلى المؤسسة بتثاقل شديد، وتمنيت حقاً أن أعود أدراجي إلى بيتي لأستلهم دفء روحي التي تهشمت بين قبضات الأفكار المؤلمة تلك.
حدث واحد غير الكثير، عندما طلبت يوم إجازة إضافية كي أتمكن من مواصلة دراستي للماجستير ومتابعتها مع مشرفتي، وبعد انتهائي من لقائها، ذهبت لممارسة أنشطتي التي أحبها، وحينما تكرر الأمر لأكثر من أسبوع، بدأت استنشق حريتي قليلاً.
اتفقت مع أختي أن نصنع نوعاً جديداً من الحلوى كل خميس لنتناولها مع أسرتي يوم الجمعة بعد الصلاة، سعدنا كثيرا بكل التفاصيل الصغيرة في الأمر، ابتداء من شراء لوازم الحلوى، حتى انتهاء رحلتها في أطباقنا.
بدأت أذهب للعمل بطاقة أفضل، وبدأ الشعور الخانق الذي كان يأتيني في الانحسار تدريجياً، وحينما دققت في وظيفتي تحديدا، شعرت أني أحبها كثيراً، وأنها من أفضل العطايا الربانية التي أتتني هذا العام، شعرت بأني أتعلم، وأستمتع بعملي كثيراً.
إن الأنظمة لم تتغير، المواعيد لم تتغير، المواصلات اليومية شاقة كما هي، لم يتغير سواي أنا، أنا التي استطاعت أخيرا انتزاع روحها من دائرة العمل المغلقة اللامتناهية، وإن استغنيت عن بعض المال مقابل ذلك.
علمت جيدا، أن الموظف الذي يقضي كل وقته تحت إمرة العمل ليس بموظف مثالي، وأن الذي يقضي ساعات إضافية قسراً ليس بأكثر ولاء لمؤسسته، وأن الذي تصبغه مهنته حتى كأنه يرتديها عباءة فوق ثيابه، ليس شخصية فذة، إنهم جميعاً أناس قصروا في حق أرواحهم وعائلاتهم وأصدقائهم، ونذروا أنفسهم للعمل الذي ينبغي أن نتعبد الله به كما نتعبده بالصلاة، في وقت محدد!
شعرت بالحرية حينما آمنت أنه ليس علي أن أبقي هاتفي مفتوحا للثانية صباحاً لأتلقى رسالة أو اتصالاً من العمل، حينما اعتذرت لي مديرتي أنها اتصلت بي بعد ساعات العمل المحددة، حينما أخبرت شركاء عملي بأن هذا يوم إجازتي وأني لست في مكتبي اليوم فأرجو أن تتصلوا بي لاحقاً، شعرت بحريتي، وأحببت من يومها عملي، وأصبحت أكثر كفاءة ونشاطاً من ذي قبل.
وبالرغم من أننا لازلنا في حاجة لتغيير أنظمة العمل خاصة في القطاع الخاص لتكون أكثر مناسبة لحياتنا، إلا أني رأيت في ذلك حلا وسطاً، حاولوا أن تنتزعوا حرياتكم من أصحاب العمل، لأنكم إن لم تفعلوا لن تحصلوا عليها أبدا!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.