المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

بسمة سيد Headshot

لأني امرأة ..المرآة "1"

تم النشر: تم التحديث:

ببراءة ونقاء شديدين قالت "لازم طبعا البنت تتجوز واحد أفضل منها، الراجل أقوى من الست وهو قائد العلاقة هي مش هتقدر تشده،لكن هو يقدر يشدها ويغيرها للأفضل" ابتسم أحد الرجال الحاضرين بالمجلس وأثنى عليها بقوله: "يا ريت كل البنات زيك ".

نظرت إليها وبدأت أناقشها في رأيها، كانت على قناعة بأن المرأة لابد وأن تعطي وتتحمل الرجل، وإن لم يبادلها العطاء أو حتى تقدير العطاء، وأضافت أنها تحتسب هذا عند الله وأنها تعامل الله فيه، فلا ينبغي لها أن تشتكي أو تتذمر، بل تواصل العطاء وتستمر فيه.

في الواقع أثار حديثي معها غضباً شديداً في نفسي، ولكنه كان غضباً لها لا عليها، ذهبت لها لاحقاً واعتذرت عن سوء تفهمي وانفعالي، وفي هذه اللحظة تحديداً أدركت أن انفعالي هذا كان مصحوباً بخوف شديد عليها..

أنا اليوم أرى أن المرأة كما الرجل، إنسان غير ناقص الأهلية ولا يحتاج لمساعدة خاصة ليكون أفضل، وبالتالي قدرتهم على التأثير في بعضهم البعض متساوية، وفي أحيان كثيرة تكون المرأة أقدر على التأثير في الرجل وفي أبنائها بل وفي نظام حياة الأسرة بشكل عام، كما أنها إنسان، تحتاج لأن تأخذ كما تعطي وأن يقدر ذلك العطاء لها كذلك، ولكني حينما كنت في عمرها أو أصغر قليلاً كنت أتحدث بالطريقة نفسها، وكانت تملؤني القناعات ذاتها وأنا لا أدري أنها كامنة بداخلي !

الغريب، أني لا أعلم كيف تسللت إليً تلك الأفكار !، فأنا ابنة رجل متحضر يناقش معي كل الأمور حتى تلك التي تخصه وتخص أمي والبيت، أنا الفتاة المتمردة التي تزعج الجميع بنقاشها المستمر حول حق المرأة في النجاح والاستقلالية، قد يكون الأمر موروثاً مجتمعياً، أو تأثراً بصورة أبي أو بمن كنت أقرأ عنهم في الكتب وأنا في سن صغير، أولئك القادة الحقيقيون الذين ظننت أنه ما ينبغي لامرأة معهم إلا أن تكون تابعاً متحملاً وشاكراً حتى وإن لم يكن هناك مقابل سوى الوجود بقربهم، ولم أفقه أنهم في الحقيقة.. بشر!

سيل من الذكريات استتبع هذا الموقف، وكأن عقلي الباطن يحرضني، أهداني تفاصيل التفاصيل حتى تلك المؤلمة منها، وقد كان من بين ما جادت به ذاكرتي كلمة قالها لي أحدهم حينما ناقشته في أمر من الأمور وكان رأيي مخالفاً لرأيه، فما كانت حجته إلا أن قال " أصل انتوا كدة ناقصات عقل ودين"
نظرت له بحدة يملؤها التعجب فسرعان ما تدثر بالدين قائلاً " مش النبي قال عليكوا كدة!" بالطبع رددت عليه بالرد الذي تعلمناه جميعاً منذ تفتحت أعيننا على الأحاديث النبوية والعلم الشرعي، وماذا كان يقصد النبي تحديداً من نقص العقل والدين، وأن السياق اللغوي وتركيب الجملة مدح وليس ذماً، وغيرها من التفنديات التي أؤمن بها إيماناً عميقاً، ولكنها لم تنجح في إذابة ما ظل عالقاً بي من شعور بالإهانة ..

بدت تلك الكلمات قاسية جداً حينما وجهت إلي مباشرة، وزاد من قسوتها ذاك الأسلوب الذي أكرهه، علق كل أفكارك على شماعة الدين وألق بها في وجه مخالفك، فيصبح في صدام مع الدين وليس معك أنت ..

ولكن، كيف تحملتها الصحابيات؟! فقط سألته إحداهن عن مقصده، ولكنهن لم يتأذين من الكلمة، وكان من عادتهن أن يخبرن النبي بكل ما يدور في خلجهن فهو بهن صلى الله عليه وسلم رؤوف رحيم، بالتأكيد كنً يحسن الظن بالنبي ومقصده ولكن وفي نظري كان هناك سبب آخر ..

لم تكن نساء الصحابيات يشعرن أصلاً بالنقص أمام الرجل أو أمام أنفسهن، كن يناقشن في كل الأمور، يحضرن جميع الغزوات، كافة الأحكام الفقهية الخاصة بهن كالتعدد والعدة وغيرها نظمها القرآن وحد من جور الجاهلية عليهن، وحينما ذهبت المهاجرات إلى المدينة وجدن المرأة المدنية أكثر قوة منهن وأكثر تفتحاً وأكثر مساواة بالرجل، كانت المرأة تتحدث عن نفسها عن مشكلاتها وقضاياها الخاصة، لاتحتاج لمترجم عنها أو وصي، كن حديثات عهد بثورة على كل الأفكار الجاهلية والموروثات البالية والعادات والتقاليد الجامدة واللاإنسانية.

عُدت للقرآن، شرعت في قراءة سورة وأنا صافية الذهن محاولة إبعاد نفسي عن كل الموروثات الثقافية، فلم أجد في الواقع أن الخطاب القرآني كرم المرأة كما يدعي البعض، ولم أجد انتقاصاً منها كما يدعي آخرون، وجدته خطاباً إنسانياً يساوي بين كل البشر بمختلف أجناسهم وأشكالهم وألوانهم لا ينتقص منهم ولا يحد من حرياتهم، خطاباً راقياً يعطي كل ذي حق حقه، متوازناً بين العقل والعاطفة، وأهم ما فيه أنه خطاب حر.. يؤسس للمسؤولية الفردية لكل فرد رجلا كان أو امرأة، دون وصاية لأحد على أحد ودون انتقاص من أحد لصالح أحد ..

إن هذا التعبير الذي استخدمه النبي كنوع من المزاح ولفت الانتباه بين الصحابيات، وهو لغوياً يعطي الفضل لعقل المرأة على الرجل في الحقيقة! أصبح اليوم قانوناً ونظرية مجتمعية، بل ومفهوماً دينياً وتعبدياً عند البعض رجالاً كانوا أم نساء، وكأن كل الرجال كاملون، وكل النساء ناقصات، حتى ادعى البعض أنها تنقص في الثواب عن الرجل، وتنقص في الفضل عنه، وأن جنس الرجال عامة مفضل على جنس النساء! من أين جئتم بتلك الخرافات؟! أين الدليل؟!

تذكرت يومها قول عائشة رضي الله عنها حينما قال أحد الصحابة بأنه إذا مر كلب أو امرأة أمام المصلي فإنه يبطل صلاته، فقالت مستنكرة "أشبهتمونا بالكلاب" هم لا يملكون دليلا على ذلك، فجاء الرد قاطعا منها، لأنها امرأة تحترم ذاتها وتدرك أنها ليست ناقصة !
أدركت بعدها أن الذي أثار غضبي في حواري مع الفتاة أنها لفتت نظري لمكمن المشكلة، وهي نظرتنا الذاتية لأنفسنا كنساء، التي يسميها العلماء "الصورة المرآة" خاصة إن كانت تستند لمرجعية دينية هشة، تأثرت بالجاهلية وعاداتها أكثر من تأثرها بالقرآن وما جاء به.

نطلب من المجتمع أن ينصف المرأة ويمكنها، ويحترم حريتها، وهي لا تزال غير قادرة على النظر لذاتها بصورة سوية، هي لا تؤمن بذاتها إيماناً كافياً في الحقيقة، لا تؤمن أن بإماكنها أن تقوم بدور مؤثر في العالم، بل إن بعضهن يؤمن أن الضعف الزائد والاعتمادية المطلقة من أهم مقومات الأنوثة !
ماذا تفعل إذن الحركات النسوية لسنوات عدة! يقصرون تحرر المرأة على خلع الحجاب عن شعرها دون النظر لأفكارها التي لا تزال منتقبة.

كيف نطلب من الغير احترامنا والاهتمام بنا ونحن لانهتم أو نقدر أنفسنا بالصورة الكافية، كيف ننتظر من الرجل أن يحارب ما تربى عليه من موروثات جاهلية ويلصقها بالدين، ونحن غير قادرات على الثورة عليها بداخلنا أولاً، كيف لهم أن يؤمنوا أننا كاملات إن كنا نحن نرى أنفسنا قاصرات ناقصات؟!
وللحديث بقية ..

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.