المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 بشير الكبيسي Headshot

السفسطة والفلسفة!

تم النشر: تم التحديث:

لعلك واحد من الذين أطلقتَ وصف "فيلسوف" على شخصٍ يتفوه بعباراتٍ غامضة، وبأفكارٍ غير مألوفة لدى العامة، وكثيراً ما ينطوي وصفنا على قدر غير قليل من التهكم.

والواقع أن في وصفنا نصيباً من الصحة؛ فالفلسفة تعني فيما تعنيه، الخروج عن المألوف من الأفكار، والسائد من المفاهيم والمعتقدات، ولكن في الوقت نفسه هي -أي الفلسفة- لا تعني بالضرورة الغموض؛ بل إنها تتوخى الغموض، وتنشد الدقة، في كل شيء، حتى في تلك الأمور التي يعتقد الناس عادة وضوحها إلى درجة أنهم قليلاً ما يخطر لهم أنها في حاجة إلى إيضاح، رغم أن توضيح الواضح يؤدي في الغالب إلى تشويش الأفكار ويبعث الغموض، وفي ذلك يقول المتنبي:
وليس يصحُّ في الأذهان شيءٌ إذا احتاج النهار إلى دليل

ولكن ما قاله المتنبي لا يُرضي الفلاسفة بشكل عام؛ لأنهم يرفضون التسليم بوجود شيء من الأشياء، والحكم عليه من دون دليل.

وإذ يرى المتنبي أن النهار لا يحتاج إلى دليل، فإن بوسع الفيلسوف أن يتساءل: هل هذا الوقت وقت نهار؟ ومن ثم، نصبح مضطرين إلى البحث عن دليل نستند إليه في حكمنا بأن الوقت وقت نهار، لا وقت ليل، وهنا ينشأ سؤال آخر: ما علامة النهار؟ هل هي ظهور الشمس؟ ولكن، ألا يختفي عن أنظارنا ذلك الكوكب المضيء في حالة كسوفه، وحين تتلبد السماء بالغيوم، وحين ندخل إلى كهفٍ مظلم.

ربما قد يعتقد البعض أن النهار هو وقت اليقظة، والليل وقت النوم، ولكن ألا ننام في النهار ونستيقظ في الليل ساعات طويلة؟ وألا يشتغل كثير من العمال ليلاً وينامون نهاراً؟

لا شك -عزيزي القارئ- في أنك بدأت تقتنع بأن مجرد ظهور الشمس أو اختفائها، أو يقظة الناس أو نومهم، معايير لا تصلح تمام الصلاحية للحكم على وقت ما بأنه نهار أو ليل، فما حقيقة النهار إذاً، وما حقيقة الليل؟

ما سُقته في الفقرات الآنفة الذكر، يتلخص في جملة واحدة، مفادها: الاستمرار في إلقاء الأسئلة. وهنا نطرح سؤالاً جوهريّاً: هل الفلسفة هي مجرد أسئلة؟ الحقيقة أن الأمر كذلك بالفعل، فالفلسفة هي أولاً وقبل كلّ شيء عملية تساؤل مستمرة، وهي تعنى بالأسئلة أكثر من عنايتها بالجواب. وبهذا المقام، يقول الفيلسوف الوجودي الألماني كارل ياسبرز: "الأسئلة في الفلسفة أهم من الأجوبة، إن كل جواب يصبح سؤالاً جديداً".

غير أن عملية إلقاء الأسئلة و"إثارة المشاكل"، ليست عملاً خاصاً بالفيلسوف وحده؛ بل إن الناس جميعاً يتساءلون، وكلنا نعلم مدى ولوع الأطفال بإلقاء الأسئلة على آبائهم، وأمهاتهم حول أمور شتى، والذين من شأنهم لا يُخفون عملية تضايقهم من أسئلة أولادهم التي تتسم أحياناً بالإلحاح والإحراج، فهي تتناول أموراً ليس من السهل تقديم الجواب عنها. وهكذا نفهم أن إلقاء الأسئلة غريزة أصيلة من غرائز بني آدم.

ويقول في هذا الصدد الفيلسوف المغربي الكبير محمد عابد الجابري رحمه الله: "رغم أن جلّ الناس يتفلسفون، ولكن مع ذلك فهم ليسوا كلّهم بفلاسفة".

أي، لا يمكننا أن نعدّ أسئلة الأطفال تفلسفاً، خصوصاً وهم يسألون غيرهم ممن يعتقدون أنهم أكثر منهم علماً. إن من طبيعة السؤال الفلسفي أن يسأل الإنسان نفسه، أي أن يحاولَ استعمال عقله هو، للوصول إلى الحقيقة التي ينشدها، ولا يقبل أي جواب إلا إذا اطمأنت إليه نفسه، واقتنع به فكره.

ومن شروط السؤال الفلسفي، أنه سؤالٌ عام، يتناول الأمور العامة، أي الكليات، ولا يهتم بالجزئيات. فعندما كنا نبحث قبل قليل عن دليل للنهار، كنا نتفلسف بالمعنى العامي للكلمة، وإن شئت -عزيزي القارئ- فقل كنا أنصاف فلاسفة.

لقد طرحنا عدة أسئلة فعلاً، ولكننا وقفنا في منتصف الطريق. لقد أثرنا مشكلة فلسفية حقاً، ولكننا اقتصرنا على مجرد الإثارة، وتركنا المسألة الفلسفية في البداية، ولعل السبب أننا لم نطرح السؤال طرحاً فلسفيّاً منذ البداية، فلم نتوقف عند كلّ مفهومٍ من المفاهيم التي وردت في أسئلتنا؛ بل اكتفينا بفهمنا الغامض لها، واستسلمنا لمسلك السفسطة لا مسلك الفلسفة.

إذاً، الفيلسوف شخص يتساءل كبقية الناس، يضع كثيراً من الأمور الواضحة موضع السؤال كما يفعل جلّ الناس في أغلب الأحيان. ولكنه يمتاز عن غيره من "المتفلسفين" بالمعنى العام للكلمة، بصفتين أساسيتين، أولاهما: الاستمرار في التساؤل وطرح المشاكل الفكرية، تلك المشاكل التي تثيرها الواحدة تلو الأخرى، ثانيتهما: تجاوز المشاكل الجزئية والارتفاع بأسئلته إلى مستوى المشاكل العامة، التي لا تخص فرداً بعينه؛ بل تخص الإنسان، أو الإنسانية جمعاء.

إن الفيلسوف الحقيقي، لا يبحث في كلّ شيء، إلا بمقدار ما يكون هذا الكل ذا معنى وذا مغزى في التجربة الإنسانية.

وهذا المسلك تم سلكه ابتداء من "كانت" الذي أحدث ثورة تجديدية كبرى، بعد أن كانت الفلسفة من قبل تجنح إلى التأمل النظري في القضايا الميتافيزيقية والماورائيات. أما الآن، فقد أصبحت تناضل من أجل اللحاق بالعلم، وأصبحت مهمتها ليس مجرد التأمل والمعرفة كما كان سائداً في "أثينا"؛ بل أيضاً خدمة الإنسان وحمله على تحسين وضعيته، وهذا بالضبط ما نادى به كارل ماركس حينما قال: "لم يعمل الفلاسفة إلى الآن إلا على الاهتمام بمحاولة تفسير العالم بطرق مختلفة، في حين أن المهم هو العمل على تغييره".

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.