المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

بشار طافش Headshot

فدائية الجبارين المقدسية وجَسّ النبض

تم النشر: تم التحديث:

عندما أوجَدَ الصهاينة أنفسهم عنوة بادئ الأمر، في قلب الأمة، هذا يعني أنه ثمرة عمل مضنٍ استند على خطط نوعية دقيقة وطويلة الأمد، إن ذلك يأخذنا عزيزي القارئ مباشرة إلى عملية إغلاق المسجد الأقصى التي حدثت في توقيت مماثل من الهوان العربي غير المسبوق ومن تبدل لمفهوم العدو، ومن تسابق أنظمتنا علناً وزعاماتها للنوم في أحضان الصهاينة على نفس السرير الذي اغتصبت عليه القدس وفلسطينها.

لكن الأقصى لم يُغلق منذ 800 عام! وليس منذ 38 سنة كما يشاع! لقد أرادت هنا دولة الكيان الصهيوني وبترويج من أبواق أنظمتنا الإعلامية ربط تاريخ المسجد الأقصى الحديث مباشرة بدولة الكيان من خلال هذه المغالطة المخزية، لم يأتِ أحد من العرب قبل الغرب على ذكر ذاك الإغلاق الذي يعبّر عن "أن المسجد الأقصى موجود أصلاً قبل وجود هذا الكيان المجرم الغاصب غير الشرعي بقرون".

لكن دولة الكيان وجدت الظروف مواتية تماماً للهجوم بشكل مغاير هذه المرة على رمز من رموز الدين الإسلامي، بحيث قامت بإغلاق أبواب المسجد الأقصى وجميع باحاته بوجه المصلين الفلسطينيين، والهدف دائماً هو جس نبض الشارع العربي المنهك أصلاً من أنظمته والمصدوم كذلك مما يجري من حوله من إجرام وانهيار لمبادئ عاش عليها أجيال، في الحقيقة دولة الكيان كانت تنتظر أي هجوم من الجانب الفلسطيني بغض النظر عن حجمه ونوعه، كالهجوم الذي صار يعرف "بهجوم الجبارين" نسبة للعائلة الفلسطينية المقدسية التي ينتمي لها الشهداء الثلاثة الذين نفذوا هجوماً نوعياً هز أركان دولة الكيان، وهز أركان كثير من الأنظمة العربية التابعة لها.

عدا تلك المظاهرات التقليدية القليلة غير المجدية البتة، في العاصمة الأردنية عمان، ومظاهرة في غزة، وعدا سيول من الشجب والاستنكار العربي الإسلامي الغثاء كغثاء السيل، وبعض من دعوات على استحياء شديد لدولة الكيان الصهيوني من أجل إعادة فتح المسجد الأقصى، لم نشهد شيئاً، الحقيقة أن وضعاً مماثلاً هو مناسب تماماً لتقوم دولة الكيان بخطوات غاية في الشراسة والإجرام هي أولى بها كهدم الأقصى مثلاً، أو كترحيل المقدسيين من القدس، وخاصة الشرقية، أو أن تقوم بارتكاب مجازر أقلها كالمجازر التي قام بها نظام حافظ الأسد بحماة حين أعدم 35 ألف مواطن سوري بإعدامات جماعية سنة 1982، وحين سوى أحياءً كاملة في المدينة بالأرض على رؤوس سكانها.

لكن ما السر في عدم قيام دولة الكيان الصهيوني بخطوات كهذه، حتى إنه يتمناها معظم أنظمة العرب وقادتها أيضاً؟

السر عزيزي القارئ يكمن في ردة فعل الشارع الفلسطيني في الداخل، سواء أراضي 48 أو أراضي 67، الأمر الذي سيشعل فيما بعد كل المدن والعواصم العربية، وسيشعل كل مدن وعواصم العالم، وخاصة أن دولة الكيان باتت تعلم جيداً مدى الوعي الذي أصبح عليه المواطن الغربي تجاه حقيقة هذا الكيان، وكيف أن الذين كانوا مخدوعين وموجَّهين من خلال الميكنة الإعلامية الغربية المسيطر عليها صهيونياً كيف أنهم باتوا من القلة بمكان غير مسبوقة، وهم في طريقهم الآن إلى الزوال والاختفاء نهائياً، حتى جاءت في النهاية عملية الجبارين النوعية كرفض للاحتلال أصلاً قبل كل شيء، وقبل أن تقوم دولة الكيان بخطوات أكثر إجراماً وتطرفاً، فما بالكم لو قامت بالفعل؟

الجواب أعزائي في أروقة حكومة الكيان، وأروقة الأنظمة العربية التابعة، وفي أروقة مخّي أنا أيضاً.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.