المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

بشار طافش Headshot

الليلة التي غيرت كل تفاصيل حياتي

تم النشر: تم التحديث:

يومها ترددت قليلاً عن الذهاب، رغم أن مشاوير مماثلة ليلاً وبعيدة، خاصة في تلك الأجواء الماطرة والعاصفة، لطالما استهوتني، وأطلقت الأدرينالين في دمي، كانت الساعة وقتها تلامس السابعة مساء، تبدو الساعة السابعة وكأنها منتصف الليل شتاء.

كان قراري في الذهاب مفاجئاً وجنونياً واندفاعياً، لم أكن أدرك أن مشواراً كهذا سيغير تفكيري إلى اﻷبد، ولم أكن أدرك أيضاً أنه سيترك أثراً بالغاً على صفحات عمري، حين تسابقت مع الزمن ﻷترك المدينة خلفي، وأقود مركبتي تجاه تلك البلدة الحدودية الذي يفصلني عنها ذاك الطريق الخارجي المعتم المستوي وسط صحراء تبدو لا نهائية، كنت أشعر وقتها بقوة الرياح العاصفة وهي تقاوم مسيري، شعرت أن الريح العاصفة وكأنها تجبر مركبتي على الانحراف يميناً، كان الصوت العالي لارتطام حبات المطر الكبيرة على الزجاج الأمامي للمركبة مرعباً، لم تكن مساحات الزجاج رغم سرعتها الكبيرة تقوى على جعل الرؤية أكثر وضوحاً أمامي، كان المطر غزيراً جداً.

شعرت بنشوة بالغة رغم ذلك، وسط الرعب والفراغ والمطر والعواصف وقطع الليل السرمدية من حولي، لقد عجزت مصابيح مركبتي أحياناً كثيرة عن قدرتها على تحسين مستوى الرؤية لديَّ خلال العتمة العنيدة والمطر الهائج، وقتها أحسست أنني بمركبتي أسير خلال بحر لجّي من فوقه موج من فوقه غيوم متلبدة من فوقها عتمة أبدية.

بدت حبات المطر هائلة الحجم فجأة، وكأن خيلاً تعدو عكس اتجاهي على سيارتي، بدا صوت ضربات حوافرها يعلو ويعلو على الزجاج ثم سقف المركبة فوق رأسي، لقد اهتزت السيارة بقوة، أثناء ذلك وقبل أن تختفي الضربات بسرعة بالغة سمعت صرخة قوية وسط الهيجان والهدير، ما هذا؟ ليس خيلاً وليس مطراً! هل صدمت شيئاً ما؟! لقد حدث الأمر خلال ثانية أو اثنتين أو ربما أقل بقليل.

يا إلهي لو أني الآن في غرفتي وسط أغطيتي الوثيرة.

أوقفت مركبتي جانباً، وصارعت الريح محاولاً فتح بابي، فوراً تبللت كما لم أتبلل من قبل، بنظرة سريعة تفحصت خلف المركبة فلم أجد شيئاً غير خفقان الإضاءة الرباعية وسط هذا الليل الغريب، مركبة تقترب من بعيد، الحمد لله، أنا ما زلت على الأرض! لوهلة لمحت شيئاً ممداً على الطريق هناك في الخلف، نعم لقد صدمت شيئاً، ظهر لثانية ثم غاب مع غياب ضوء السيارة البعيدة الخافت، اقتربت قليلاً تجاهه مع الريح والمطر، ما هذا غزال أم إنسان أم ماذا؟ يا إلهي! المركبة تقترب هيا ما هذا؟ تحسسته وشعرت بتلك الملابس، إنه شخص، حاولت الإمساك به بأي طريقة محاولاً إبعاده عن الطريق بسرعة، كان ذلك صعباً وثقيلاً ومترهلاً.

لقد بدا الارتباك واضحاً على المركبة القادمة، يبدو أن سائقها يرى شيئاً ما يتحرك على الطريق أمامه فلم يعد قادراً على أخذ قرار التوقف من عدمه، الاصطفاف يميناً أم يساراً، مر بي وشاهدني ثم توقف في البعيد وعاد إلى الخلف بسيارته، المفاجأة أنه كان شخصاً يرتدي زي الشرطة، ولمعت نجمة على كتفه، وهو يقترب منا، ويده على فمه، ثم سارع بالكلام "هل صدمت هذا الشخص؟ من أي سماء نزلتما؟!".

لم أكره تصرفاتي المندفعة هذه كما كرهتها في تلك اللحظات، ولم أشعر يوماً بأن قلبي لم يعد موجوداً في صدري، ولم أعاقر تلك الجرعات القاتلة من الرعب قبلاً كما هذه اللحظات.

لم أعد أشعر بالزمن أو المطر أو الريح، لم أعد أرى العتمة حتى، بعد أن أصبحت الصحراء مأهولة بسيارات الشرطة وسيارة إسعاف وإطفائية فجأة، ركب معي شرطي وتبعتنا سيارات الشرطة متجهين إلى أقرب مركز أمني، على الطريق بينما أنوار لوحات سيارات الشرطة تتراقص مع أنوار لوحات سيارة الإسعاف وزخات المطر المتلاطمة، لمحت بسرعة كبيرة على يميننا حين بت أقود خلفهم عائلة -نعم عائلة- تتكون من رجل وامرأة وبعض الأولاد يقفون على جانب الطريق الصحراوي تحت المطر وفي قلب العاصفة والليل.

أوقفت سيارتي جانباً رغم تعجب الشرطي حين قال "ماذا تفعل؟ هيا تابع وراء السيارات، لا يحق لك التوقف أبداً" صرخت في وجهه بعد أن فتحت نافذة السيارة مع صوت الريح والمطر "ألم تشاهد تلك العائلة هناك يا رجل؟!" يصرخ الشرطي مجدداً: "عائلة مَن يا رجل؟! حرك السيارة وإلا أوقعت نفسك في متاعب أنت في غنى عنها، هيا".

نزلت من السيارة متجاهلاً هديره المجنون، ﻷذهب ركضاً نحو العائلة، كانت امرأة تضم إليها طفلين في الرابعة أو الخامسة من عمرهما يقفان أمامها ويحتضنان خصرها ويغرسان وجهيهما في بطنها ويصرخان، كانت تحاول يائسة تهدئة روعهما، وإلى جانبها شاب يبدو في سن المراهقة، بدأ يكلمني بصوت عالٍ وبلهجة سورية، ويتوسل إليَّ أن نأخذهم من هذا المكان، والأم ترد عليه وعلى صراخ الطفلين: "لا نستطيع الذهاب قبل عودة والدكم، لا نعلم أين هو ولا نعلم ما الذي يؤخره، كانت تبكي مرتعبة"، أخبرتها وكان الكلام صعباً وسط العاصفة: "زوجك معنا سيدتي، فقط توجهي والأولاد نحو السيارة، هيا بسرعة".

جن جنون الضابط بعد أن عاد أدراجه بسيارته نحونا، وبدأ يصرخ بجنون: "لماذا توقفتما ومن سمح لكما بذلك؟" ثم وجه الكلام إليّ: "أنت مرتكب عملية دهس ألا تدرك ذلك؟"، لقد انهارت المرأة فور سماعها تلك الكلمات وبدأت بالصراخ واللطم على وجهها، وهي تقول "يا ويلي لقد توسلت إليه أن لا نترك الشام، يا ويلي لماذا طاوعته ولم أبقَ إلى جانب والدتي وأهلي لماذا؟ ضعنا يا أحبائي ضعنا خلص وضاع أبوكم وضاعت حياتنا"، حاول ابنها الكبير جاهداً منعها من ضرب وجهها والصراخ، لكنه توجه ليحتضن الطفلين في النهاية، وسط كتلة من الصراخ الهستيري.

الشرطي والضابط والمرأة والأطفال والمطر والرياح والعاصفة والسماء المتجهمة وقلبي وعقلي ووجداني، كل شيء يصرخ من حولي وفي داخلي.

أكملنا المسير في النهاية على الطريق الصحراوي المزمجر مطراً ورياحاً كقافلة وحيدة من مركبات حزينة وغاضبة، تتصدرها سيارة إسعاف مثقلة بعائلة كاملة هائمة ضائعة، بعد أن كان لها بلد وحي وجيران وأحباب وأصدقاء، حياة كاملة بأدق تفاصيلها تناثرت للتو مع هيجان تلك العاصفة في عتمة ليل على طريق الريح.


في صباح اليوم التالي، وبعد ليلة شديدة البرودة قضيتها داخل غرفة الحجز الفارغة من الرفقة، علمت أن هذه العائلة وصلت لتوها من الحدود السورية، وقطعوا كيلومترات كثيرة سيراً على الأقدام قبل أن يطلب منهم الأب التوقف ليسبقهم بخطى سريعة عله يجد مركبة أو شخصاً ما ويطلب منه المساعدة، حين وقف وقتها وسط الطريق أمام مركبتي كي يرغمني على التوقف فيما لو شعرت بالريبة منه، لكني لم أشاهد شخصاً أو أي شيء وكان يقف أمامي وسط ذلك الطريق، كانت تلك العاصفة التي لطالما أحببت أمثالها تعمل ضدي وضدهم والقدر.

الحمد لله أن رب الأسرة بخير ليستفيق في النهاية ويحكي ما حدث له، الحمد لله.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.