المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

بشار طافش Headshot

لماذا تغيير المناهج في هذه الدول بالذات؟

تم النشر: تم التحديث:

بات من المؤكد أن مسألة تغيير المناهج الدراسية، وخصوصاً في المرحلة الأساسية منها، على مستوى إقليمي محدد في بعض الدول العربية، بات مؤكداً أنه مخطط لها بشكل مسبق وبعناية فائقة، لكن مسألة التغيير هذه قد تهدف لما هو غير ما يعتقده الغالبية الساحقة من المستائين من هذه المسألة ربما.

عندما نستمع لمسؤول أردني مثلاً وهو يتحدث عن أهداف تلك العملية، نعتقد للحظة أننا لسنا من نفس بلد هذا المسؤول، وأنه قد يتفوه بما هو أعلى درجة بقليل من تلك التوصيات التي تبرر عملية تغيير المناهج، كان قد اطلع عليها كمسؤول من مسؤولين أكبر منه، أو من أولئك الذين فرضوا على البلد تلك العملية.

كذلك نحن نعلم يقيناً أن مختصي تغيير وتطوير المناهج الدراسية عندما ذهبوا للدراسة في أوروبا وأميركا درسوا وتعلموا هناك أن أحد أهم معايير تطوير المناهج الدراسية، وخصوصاً في المراحل الأساسية، هو الأخذ بعين الاعتبار المفاهيم المجتمعية والدينية والعقدية لكل مجتمع على حدة، أين ذلك من إلغاء العقيدة والمفاهيم المجتمعية الحساسة من المناهج التي طوروها؟!

لكن، أن تكون إحدى تلك التوصيات ذات البنط العريض، والتي يلمح لها المسؤولون في كل لقاء معهم على قنوات الإعلام المختلفة، أن تكون هي القضاء على منابع ومسببات الإرهاب لهو أمر يدعو إلى حفلة من الضحك المفرط.

لقد نسي هذا المسؤول وهو يتشدق بهذا الكم الهائل من الترهات أنه هو نفسه كان قد درس ونهل من هذه المناهج في مرحلته الأساسية بالذات وطوال فترة دراسته المدرسية، وقد نسي أيضاً أنه وصل إلى الصف السادس الابتدائي وهو قد أنهى حفظ "جزء عم" من القرآن الكريم وما يقرب من المائتي حديث نبوي شريف، وها هو وآلاف من أمثاله يحيون الحياة الطبيعية التي نعلمها، قبل أن يصبح مسؤولاً.

هناك مثال واضح وصارخ على ما أقول، فمثلاً بلد كتونس يعتبر من أوائل الدول العربية التي عمدت إلى تغيير مناهجها الدراسية قبل البلدان المقصودة في ذلك كمصر والأردن ومناطق السلطة الفلسطينية وبعض دول الخليج، فقد حذفت كل الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة نهائياً من مادة اللغة العربية وفي كل المستويات، وقد ألغت تدريس التربية الإسلامية كذلك، لكن لو نظرنا إلى منتسبي تنظيم داعش من العرب لوجدنا أكثرهم من التوانسة، وهذا بات معروفاً، في المقابل هناك دولة خليجية لن نأتي على ذكر اسمها لحساسية ذلك هنا في الأردن، تقوم بتدريس الشريعة الإسلامية والقرآن والسنة النبوية الشريفة كمواد أساسية مفروضة فرضاً على الطلبة في كل المراحل الدراسية، لكنها تعاني اليوم من أكبر موجة للإلحاد بين الشباب، والأمر بات معلوماً أيضاً.

فشطب حديث دخول الحمام مثلاً من مادة اللغة العربية في الأردن للصف الثالث الابتدائي، لا أعتقد أنه سيقضي على منابع الإرهاب والتطرف، وهذا مثال بسيط للغاية، كذلك أنا شخصياً أعتقد أن وجود هذا الحديث بشكله الحرفي ومضمونه في منهج الطفل ليس بالضرورة يزيد من دينه وإيمانه وتمسكه بعقيدته، لكن، ربما طريقة التغيير هي من تصنع ذلك من عدمه، هذه الطريقة هي مَن تجعل الشارع أكثر احتقاناً وجدلاً وتساؤلاً، ماذا كان سيضير وزارة التربية والتعليم لو أنها أبقت فقط على الإشارة إلى الحديث دون ذكره وركزت على غسل الأيدي وما إلى ذلك كما فعلت، هذا لو اعتقدنا جازمين أن وزير التربية -ومن خلفه الحكومة- فعل ذلك دون ضغوط خارجية، مع العلم أننا نأتي بأمثلة ولا نركز على قضية شطب هذا الحديث بالذات، فقد شطبت كل الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة من كل الكتب التي كانت تذكر شيئاً مماثلاً، حتى إن جملة "رضي الله عنه" لم تعد تكتب قبل اسم الصحابي في حال تم ذكر اسمه بطريقة ما.

بكل اختصار، عزيزي المسؤول العربي، وأعزائي وزراء التربية والتعليم العرب، وخصوصاً في مصر والأردن ومناطق السلطة الفلسطينية أو كما يطلق عليها - محور الاعتدال العربي - وبعض دول خليجنا العربي (...) ضمنه، هذا ما رمينا إليه في البداية، وهو أن أهداف من يدفعونكم دفعاً لاتخاذ مثل هذه الخطوات هم بالتأكيد يخططون إلى إنتاج المزيد من المتشددين والمتطرفين في بلادكم - بلادنا - لأن التطرف منبعه الغموض، وعدم الوضوح في اتخاذ القرارات المصيرية للبلد، والتعسف في اتخاذها، وضرب مشاعر المواطن وعقيدته ومفاهيمه المجتمعية التي نشأ عليها عرض الحائط، وهذا ما يفسر أنكم أنتم بالذات، دول تحيط بالكيان الصهيوني من الواجب عليها أن تبقى غير مستقرة ومشغولة بمصائبها وذات هوية مشوشة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.