المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

بشار طافش Headshot

كنتُ يوماً "مخابرات"!

تم النشر: تم التحديث:

بخطى متثاقلة يعتريني اليأس والكثير من اللامبالاة كنت أمشي في الشارع قُبالة حيِّنا، كان قد مرّ على نتائج التوجيهي شهرا كامل، وكان بعض من أصدقائي الذين اجتازوا معي هذا الهراء المخيف، ينتظرون الوقت اللازم كي ينتظموا بالدوام في كلياتهم وجامعاتهم بعد أن تحصلوا على القبول، إلا أنا.

رسم الجامعة أو الكلية كان يعتبر بالنسبة لعائلتي شيئاً فوق الطبيعة، أو ضرباً من الجنون، وبينما يتآكلني اليأس حتى إن رائحة عرقي باتت أشد قرفاً؛ وإذ بالخبر ينزل على مسمعي كطرفة مقيتة مفرطة في الخيال، "لقد تحصلت على قبول مبدئي في إحدى جامعات ليبيا لدراسة الاقتصاد ويتوجب عليك الذهاب هناك ﻻستكمال إجراءات القبول، اسمع ماذا أيضاً، الرسوم السنوية هي فقط ما يعادل المئة دينار أردني" كان هذا الفرط في الخيال يخرج من فم أختي اﻷصغر مني بثلاث سنوات، كانت قد سمِعته من العم أبو نضال من كوادر الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وهو يزف الخبر ﻷمي بعد أن كانت قد طلبت منه في مرة أن يبحث لي عن بعثة ما، أو أي شىء مماثل، رغم أننا غير منضمين لا في الجبهة الشعبية أو غيرها من المنظمات الفلسطينية، ولا أحد من عائلتي كلها كذلك.

يااااااه، كانت سنوات خمساً حافلة باﻷحداث هناك في جامعة الانتفاضة التي تحول اسمها قبل التحاقي بها بسنتين إلى جامعة ناصر اﻷممية سنة 1992، لم يمضِ وقت طويل على حربيّ الخليج اﻷولى والثانية ومأساة الفلسطينيين هناك في ليبيا ومسألة طردهم إلى الحدود الليبية المصرية ﻷربعة أشهر بعد توقيع معاهدة السلام الفلسطينية اﻹسرائيلية وعودة منظمة التحرير إلى رام الله، وعلى رأسها ياسر عرفات (أبوعمار).

ما زاد الأحداث زخماً هناك، هو تنافس الفصائل الفلسطينية المختلفة التي وُجدت على الساحة الليبية كما لم تتواجد في مكان آخر، على استقطاب الطلبة الفلسطينيين الذين قدموا للدراسة في الجامعة من غزة والضفة ومصر وبعض دول الخليج كالكويت والسعودية، لم يكن هناك أي تنافس على الطلبة الفلسطينيين القادمين من اﻷردن، مثلي أنا، كون الفصائل قاطبة كانت تعتبرنا مخابرات أردنية، كنا نحن الفلسطينيون اﻷردنيون خارج هذه المعمعة تماماً، حتى النقاش ذو الطابع الوطني الذي كان يدور باستمرار بين الطلبة من منتسبي الفصائل المختلفة لم يكن محبباً الخوض فيه أثناء وجود أمثالنا في الجلسة، ماذا؟.. أنا مخابرات؟!.

رجعت إلى وطني اﻷردن ثلاث مرات خلال فترة دراستي الجامعية بليبيا، كان السفر براً؛ كون ليبيا كانت ترزح تحت الحصار، فلا وجود للطيران الدولي عدا ذاك المحلي، في المرة الثالثة لعودتي للوطن وهي اﻷخيرة بعد التخرج، استضافني مكتب المخابرات الأردنية هناك على حدود العقبة، وأنا قادم من نويبع المصرية، كان مسؤول المكتب دمثاً، ذا أخلاق عالية، حازماً وقاسياً وكأنه تدرب على الجمع بين هذا كله في ذات الوقت، بعد تقديم القهوة لي، بدأ معي الكلام بسؤالي على نحو:

من المؤكد أنني حريص على مصلحة الوطن وأمنه؟

ﻷتفاجأ في النهاية بأنه يطلب مني كتابة عشرين اسماً لعشرين طالباً فلسطينياً من طلاب غزة والضفة وعن أهم النشاطات التي كانوا يقومون بها هناك في ليبيا، مع تهديدي بتحمل المسؤولية كاملة فيما لو تعمدتُ كتابة أسماء وهمية ونشاطات كذلك.

سيدي، هل أمن وطني مهدد من أمثال هؤلاء المعدمين الرازحين تحت الاحتلال الصهيوني الوحشي؟

دون كثرة حديث، أنت لا تعلم أكثر منا عن مصلحة الوطن وعن حماية أمنه، أجابني السيد دمث اﻷخلاق -بقرف- والذي بقي دمثاً حتى غادرت المكتب في أصعب تجربة مررت فيها يوماً داخل الوطن، بعد أن عانيت طويلاً في ليبيا جراء لهفة العودة إليه مجدداً.

لطالما ابتسمت وأنا أتذكر منتسبي الفصائل المختلفة، كل الفصائل الفلسطينية، وهم يأخذون الحذر من أمثالي هناك في ليبيا.

كيف علموا بما سيحدث معي بعد عودتي إلى الديار؟

لكن، هل وضعوا نسبةً مئويةً وهم يتناقشون ويتحاورون ويتجادلون حول مسألة خضوعي لهذا الاستجواب -الدمث- عن ثباتي ومراوغتي أثنائه؟ كم أحببت أن أعلم ذلك، كم أحببت.

كنت متأكداً بأن نقاشاً مماثلاً دار يوماً بين من هم أصدقائي ويؤمنون بي، من هؤلاء المنَظَّمين، وبين من أفرط في أخذ الحيطة والحذر مني، منهم أيضا.

السؤال الآخر الذي ما زلتُ أسأله لنفسي: كم كنتُ سأعود على وطني بالفائدة فيما لو كنتُ فعلاً من كوادر المخابرات الأردنية والتحقتُ للدراسة في ليبيا بين هؤلاء الطلبة؟ كان ذلك أفضل ما ختم به سفيان هذا الكم الهائل من الهراء الذي أوقعه على رأسي وهو لا يزال رافعاً كفَّيه إلى أعلى متضرعاً بالدعاء كون الوطن ما زال يتمتع بنعمة اﻷمن واﻷمان، مع ذلك.