المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

بشار طافش Headshot

أسئلة ابني الصادمة

تم النشر: تم التحديث:

انتظرت كثيراً تلك اللحظة، وخططت لها جيدا، لقد عزمت منذ البدء على تربية أبنائي تلك التربية التي حلمت بها يوماً، منذ تلك الآونة وأنا مهتم بتلك المرحلة التي سيمر فيها ابني أو ابنتي في سن الرابعة أو الخامسة، مرحلة طرح تلك الأسئلة التي عادة ما تكون محرجة للأهل، من قبيل (من أين جئت، كيف حملتني أمي، كيف خرجت من بطن أمي، أين الله...) فقرأت وسألت واستفسرت عن الأمر، حيث إنني ما كنت أنفك أسمع برامج، أو أقرأ مواضيع تتحدث عن تلك المرحلة وأهمية الإجابة المناسبة عن أسئلة مماثلة، إذ أن الإجابة الخاطئة أو المستهترة، قد تكون لها عواقب وخيمة فيما بعد على نفسية الطفل السائل، فالأسئلة المشابهة ستشكل إجاباتها جزءاً مهماً من شخصية الطفل فيما بعد، حسب المختصين.

أذكر أنني مررت أنا أيضاً بتلك المرحلة، وسألت أمي أسئلة مشابهة، بل ربما هي نفس الأسئلة، لا أنكر أن بعض تلك الإجابات تتخللها صفعات على وجهي... وكلمات حادة في حقي، وفي أحايين كثيرة إهمالاً تاماً لأسئلتي المتكررة التي كانت تبحث عن إجاباتٍ شافية.

أتعلمون شيئاً؟ فبالرغم من أنني أجبت ابني وابنتي عندما مرّوا بتلك المرحلة، في وقت ليس ببعيد من الآن، حيث أجبتهم تلك الإجابات المثالية وحسب سنهم، وكنت أعتقد وقتها أنني تعلمت الدرس تماماً، وبأن شيئا من بنيتهم النفسية العصبية سيكون بخير وعلى ما يرام، إلا أنني وجدت نفسي مخطئاً، ليس في الإجابات، بل كنت مخطئاً حين اعتقدت بأنني كنت مستعدا تماما لهذه المرحلة.

لقد كانت صدمتي كبيرة جدا عندما بدأت تظهر وفي نفس المرحلة، أسئلة لم يتنبه لها حتى أولئك المبرمجون العصبيون والتربيون والأطباء النفسيون، لقد كانت أسئلة صادمة بالنسبة لي، وقفت أمامها عاجزاً كأمي تماما في تلك المرحلة، بل إن عجزي كان أشد هذه المرة! كيف وصلت منابع هذه الأسئلة وتغلغلت إلى داخل عقولهم؟

أبي، أين كانت "داعش" وأنت صغير؟
أبي، أخبرتنا أننا لاجئون، كيف عبرنا البحر ومتى؟
أمي، هل يستطيع أبي أن يشتري امرأة؟
أمي، من يأكل لحم الرجل عندما يذبحوه؟

يا إلهي، كيف وصلت هذه المفاهيم والمصطلحات إلى مسامعهم؟! هل ستشكل إجاباتي المرتجلة الرديئة، جزءا من شخصيتهم فيما بعد؟ ما هي نظرتهم عن العالم الآن، والمستقبل والحياة؟ في الحقيقية كنت شديد الحرص على عدم وصول تلك الأحداث المؤلمة التي تعتري معظم كوكبنا الآن إلى مسامعهم، أو مرآهم، لم أكن أسمح حتى بأن تُثار مواضيع مماثلة أمامهم، وكأن تلك الأحداث أصبحت غازاً منتشراً في الجو، وكأننا نستنشقه رغماً عنا وأبنائنا! في الحقيقة فإن التاريخ الإنسان، مليء بالأحداث المؤلمة المأساوية، مليء بالذبح وقطع الرؤوس وبيع البشر والنهايات المأساوية في البحار... إلا أن الفارق الوحيد بين ذاك الماضي وهذا الحاضر، هو البث المباشر لتلك الأحداث المؤلمة المأساوية.

أتعلمون شيئاً آخر؟ ربما يكون صادماً أكثر، ذهبت لمنزل صديق لي، ووجدته تفنن صراحة في تنفيذ طرق وأساليب الكرم العربي بحذافيرها، حتى أتخمت تماماً، وبينما هو منهمك ذهاباً وإياباً ضمن تلك الأساليب، حيث غاب طويلا في مرة من المرات، وإذا بباب الغرفة التي أجلس فيها وحدي، يُصدر ذاك الصوت المستفز البطيء، حيث أطل من ورائه رأس صغير ذو شعر مجعد كثيف، كان طفلا بعمر الثلاث سنوات تقريبا، فجأة اقترب الطفل مني وجلس في حجري، فضحكت لأمره الغريب، وهو ما زال واضعا معظم إصبعه في فمه.

وكان مني السؤال التقليدي، ما هو اسمك حبيبي؟ لقد اعتراني رعب حقيقي حين سمعته ينطق اسمه، لقد أجابني حرفيا بتلك الكلمة "دائس" هو لم يجبني عن سؤالي، لكنني اكتشفت أن أي سؤال تسأله إياه يجيبك غالباً بهذه الكلمة، والذي يعني بها كما توقعتم "داعش".

كيف سيطرت هذه الكلمة على مخيلة ونطق هذا الطفل ذي الثلاث سنوات؟! يا إلهي كم تمنيت لو بقيت تلك الأسئلة التقليدية التي عجزت أمي وكثيرون في سنها، من الإجابة المثالية عليها، كم تمنيت!

قد تكون أحداث تاريخية معينة شكلت وجه الكرة الأرضية المضطرب الآن، ربما، لكن، ما سيكون عليه وجهها في ذاك المستقبل عندما يكبر هؤلاء الأطفال والصبية؟ كيف سيكون عليه علم النفس، والبرمجة العصبية المستقبلية في مواجهة أسئلة مماثلة؟ كيف ستكون عليه أولويات التربية، واهتمامات الوالدين والأهل في حماية وتحصين نفسيات أبنائهم وبنيتهم الداخلية في مواجهة مستقبل يبدو قاتماً تتلبد غيومه السوداوية سماوات حيوانهم، أقصى حالات ترفهم؟

من الذي أوصل "داعش" وما قبله وما بعده وما حوله، إلى عقول هؤلاء الأطفال والصبية وألسنتهم، وسط الغفلة التامة لآبائهم عن خطورة ذلك؟ أرجوكم أيها الآباء، أيها المسئولون، أيها الإعلاميون، أيها السياسيون، أيها المبرمجون العصبيون، أيها الأطباء النفسيون، أرجوكم، قد يكون هناك في المستقبل القريب أرفف من أنواع مختلفة من النماذج الداعشية (...) إذا لم نتنبه جميعاً، وإذا لم تتنبهوا إلى مشاركتكم في الترويج لداعش ونموذجه، دون علمكم، لا يكفي أن نمقت داعش وأفعاله، لا يكفي أن نتحدث بحرقة عن تمدده وإجرامه، لا يكفي أن نتابع أخبار الإجرام والدمار من حوله.
أرجوكم أيها الكبار، تجاهلوه وأفعاله وكل شيء تعلق به، لقد خلقت أحاديثكم وتصرفاتكم احتباساً حرارياً فكرياً لدى أبنائنا وأطفالنا، لقد خلقت أخبار داعشكم هذا، غازات دفيئة مقيتة حول مخيلة أبنائنا وأطفالنا أفسدت مناخ وجدانهم، أرجوكم، فتجاهل الأمر السيئ ينهيه، والاهتمام به ينميه.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.