المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

بشار طافش Headshot

إلى أمي الحبيبة مشياً إلى نابلس

تم النشر: تم التحديث:

حيرة

بدا المطر وكأنه يعاند أمي في هذه الليلة، يشتد انهماره ثم يشتد ويشتد، يا إلهي وكأن قطيعاً من الخيل يجري فوق السطح، ما هذا الشتاء؟!

مؤكد أنه سيحيل الأراضي والسهول غداً إلى عوالم من الأوحال والمنزلقات والأفعوانات الطبيعية والبحيرات، لا مشكلة المهم أن لا تنكسر لنا يد أو قدم أو رقبة أو ينخلع لنا كتف، كانت أمي تخفف عن نفسها بينما الوقت يبدو وكأنه يستفزها هو الآخر وهو يجري من أمامها بسرعة مذهلة بُعيد منتصف الليل، وها هي ربما أنها قامت لتوها بمحاولة الاتصال الألف، لكن دون رد، قارب الوقت المستفز أن يلامس الساعة الثانية فجراً وأمي لم تقرر بعد، أتخوض فجراً غمار تجربة المشي المريعة هذه أم لا؟

أمي تدرك أنها غير قادرة على استعطاف أي من الجنود الصهاينة؛ ليسمحوا لها بالمشي على الشارع، وخاصة أن معها طفلة صغيرة، وحتى لو أقنعت أحدهم أو بعضهم فلن تستطيع أن تقنع الجميع، ثم إنها لا تملك المزيد من الوقت للنقاش، لا لن أستعطف يهودياً واحداً تقول أمي في أعماقها، وسأخرج قبل ساعتين من موعد الحظر وسأستغلهما للمشي قليلاً على الشارع.

لا يستطيع أحد المشي على الشارع من الساعة السادسة صباحاً وحتى السادسة مساء لا أمي وأختي الصغيرة ولا غيرهما من البشر أو المركبات أو حتى الدواب، اﻹسفلت خلال تلك الفترة مخصص فقط لقطعان اليهود من مستوطنين ومركباتهم وجيبات وآليات جيش الاحتلال، حتى سيارات اﻹسعاف العربية ممنوعة، لكن أمي كانت بحاجة ماسة للحصول على المال الذي سيصلها كحوالة مفترضة من أخي في الناصرة إلى أحد البنوك في نابلس.

وصل الوقت المستفز إلى الثانية فجراً، وأمي لا تزال حائرة، هل تنام لتعطي جسدها بعضاً من راحة قبل المشوار المضني في الصباح الباكر، أم تنتظر اتصال أخي ليؤكد لها أنه حول النقود بالفعل فتذهب إلى المصرف دون خسارة؟ فقريتنا تبعد عن مدينة نابلس عشرين كيلومتراً، وأمام أمي جبال وسهول ووديان وعرة لتقطعها مشياً على الأقدام برفقة أختي ذات العشر سنوات، ويجب عليهما أن تكونا في المصرف قبل الساعة الواحدة ظهراً كما أخبرها الموظف، فالمصارف تغلق في تمام الساعة الواحدة، وباقي المحلات التجارية والأسواق، كل مظاهر الحياة تنتهي مع الساعة الواحدة أصلاً بأمر اليهود، لقد غلب النعاس أمي في النهاية وهي تفكر وتتساءل أحياناً: "ماذا لو كان مشوار الغد دون جدوى؟"

جسر الحمار

خرجت أمي من المنزل برفقة أختي قبل أن تفجر الشمس عتمة الليل، قبل صياح الديكة وقبل هدير زقزقة جموع العصافير الغفيرة على الأشجار، واضعة داخل حقيبة يدها قنينة ماء ولفيفة من خبز خبزته بنفسها مساء الأمس، دهنتها بزيت الزيتون والزعتر، يجب أن نسرع في المشي، قالت أمي ﻷنه أمامنا مشوار طويل جداً من المشي على الصخور وبين الحجارة والحشائش العنيدة المتشابكة والأوحال والمنزلقات.

أمي لم تكره الوقت يوماً كما كرهته تلك الليلة، وسرعان ما أشار مستفزاً إياها إلى السادسة محتماً عليها الخروج عن الطريق المعبد تجاه اﻷراضي الموحلة والمنزلقات، لقد بدأت أختي تلتصق بجسد أمي من شدة الخوف، إنهما تسيران عبر الأراضي الموحلة ووسط العتمة في سكون مخيف يبدده أحياناً صوت خطواتهما، أمي تشعر بالخوف الشديد على أختي فقلبها يرتجف داخل صدرها من الرعب، ما زال أمامهما ساعة وربع الساعة على الأقل من المسير في العتمة قبل أن تتسلل خيوط الشمس بينها.

يا لَها من ليلة شتاء مرعبة، كيف سأسير وحيدة عبر هذه الأراضي؟ لو أنني لم أحضرها معي، رغم حزني عليها، فإنها تشعرني بالونس وبعض الطمأنينة، لكن صغيرتي مرتعبة جداً وأشعر بجسدها الصغير الضعيف يرتجف خوفاً، سحقاً لليهود، سحقاً للعرب، سحقاً للعالم، مَن سيعلم عن معاناتنا هذه ورعبنا مَن؟! بكل بساطة لا أحد! وكأن حديث أمي مع نفسها ينسيها كم قطعت من مسافة ويهون عليها طولها.

أصبح المشي شيئاً شبه مستحيل، فالأقدام تحمل الآن كماً هائلاً من الوحل، فتصرخ أختي: "أمي لا أستطيع المشي، قدماي لا تتحركان فالوحل يمنعني" انتظري بنيتي سأحاول إزالته عنهما "ثم تبدأ أمي بدندنتها التي لطالما دندنتها في أوقات اليأس والقهر "يا رب اطلع بطرف عينك الخشة صغيرة والباب مخلع" أخذت أمي وضعية القرفصاء، وهي تدندن بتلك الكلمات، تحسست الأرض علها تجد عوداً صغيراً أو عصا لتزيل بها الوحل عن حذاء أختي الصغيرة.

هي خطوات عشر أكثر قليلاً أو أقل؛ لتعود أحذيتهما محملة بكمات كبيرة من الوحل، فالأراضي التي تسيران خلالها ذات تربة حمراء تصبح إسفنجية مع المطر وشديدة الوحولة، لكن أختي لم تعد تشكو، حتى أمي لم تتعب نفسها بإزالة الوحل مجدداً، الله رحيم، فوزن الوحل يزيل نفسه بنفسه، لكن سرعان ما يتجمع مرة أخرى وهكذا، حتى بددت خيوط الشمس كثيراً من عتمة الليل والصبح بدأ يتنفس، وبات الآن من الممكن رؤية الطريق من أمامهما والتوجه نحو الأماكن الصخرية أو الأقل وحولة أو فوق الحشائش.

هناك في البعيد بحيرة هائلة يبدو أنها مجمع طبيعي لمياه الأمطار، يتخللها خط من التربة بارتفاع المترين تقريباً، كان يبدو الخط وكأنه يقسم البحيرة إلى نصفين، أعلى هذا الخط الترابي تشكلت طريق لشخص واحد من خطوات البشر الذين ربما أنهم استعملوا الخط لعبور البحيرة وليصنعوا منها إسفلتهم الخاص بعيداً عن الحضارة المحرمة عليهم، يبدو أن المزارعين قاموا ببناء هذا الخط الترابي عبر هذه الأرض المنبسطة ليتمكنوا من عبورها عندما تتحول إلى بحيرة أثناء فصل المطر، كانوا قبلاً يتفادونها عبر الشارع المرصوف المحاذي لها الذي قام اليهود بتجريفه أصلاً؛ لكي لا تتمكن المركبات الفلسطينية من عبوره ليلاً تحت جنح التخفي عن أعينهم، لكن مع التنكيل اليومي وحظر المشي على الطرقات حتى المدمرة منها، سرعان ما يتأقلم اﻹنسان الفلسطيني، لقد شرعت أمي بدورها بعبور الخط الترابي مشيرة ﻷختي بأن تتمسك بثوبها من الخلف، وأن لا تتركه أبداً كي لا تنزلق وتتدحرج إلى المياه في الأسفل، لقد بدأتا بالمشي البطيء خطوة بخطوة، لم تلحظ أمي أبداً أنه كان في الجهة المقابلة مزارع فلسطيني يركب حماره ويعبر هو الآخر نفس الخط.

لقد وقفت أمي دون حراك حين رأته أخيراً علّ المزارع يقف هو الآخر ويعود أدراجه سامحاً ﻷمي وأختي الصغيرة بالعبور أولاً، لكن العودة شبه مستحيلة، لا يمكن الدوران أصلاً للعودة! لم يكن أمام المزارع إلا أن يستمر بالاقتراب وكأن أحداً لم يكن أمامه، ولم يكن من أمي إلا التسمر مكانها والاستغراب والغضب، ولم يكن من أختي إلا الشروع بالبكاء خوفاً، لكن المزارع اقترب إلى حد لا يطاق مع ذلك حتى لامس أنف الحمار جسد أمي! وقبل أن تنبس أمي ببنت شفة وسط صراخ أختي المرتعبة من الموقف الغريب، نزل المزارع عن حماره مبتسماً وهو يقول: "صباح الخير، أنا أعرف أنك مستغربة، لكن لا أستطيع العودة، مثلكما تماماً، لا عليكما نحن مرتادو المنطقة طورنا طريقة للعبور دون أن يعود أحدنا أدراجه ودون أن ينزلق أحدنا للأسفل أيضاً ويسبح في المياه الباردة والوحل".

لقد أشار المزارع على أمي بحمل أختي على ظهرها، وطلب منها أن تتشبث ممسكة بطرف "الخرج" الموضوع على ظهر الحمار، ثم قام بدوره باﻹمساك بالطرف الآخر للخرج، وكان الحمار لا يزال ثابتاً أعلى الخط الترابي دون حراك وكأنه يدرك تماماً ما الذي يجري لكثرة تكراره! وهكذا كل منهما ذهب في الاتجاه المعاكس بمساعدة الحمار، توجهت أمي نحو مؤخرة الحمار وتوجه المزارع نحو رأس الحمار، ذاك الحمار الرائع -حسب وصف أمي- الذي أدى وظيفتي الجسر والرافعة بكل ثبات وحرفية وإنسانية منقطعة النظير توّج بدء الألفية الثانية بعد الميلاد لفلسطين.

معركة الوحل والرصاص

يا رب يا رب، أيعقل أن يمتلك العرب الدبابات والطائرات والدول والجيوش ونحن الفلسطينيون نتحرك بين المدن بهذه الطريقة البدائية التي لم يستخدمها إنسان ما قبل التاريخ؟! الشارع بمحاذاتنا ولا نستطيع النزول إليه! ورغم ذلك نتشبث بحمار ليساعدنا على العبور! هل يعقل هذا؟! ألم يجد اليهود وقتاً غير الشتاء والوحل ليمنعونا سوى من المشي في الحقول؟! ماذا يريدون؟ هل يريدوننا أن نترك بلادنا؟ لن نتركها إلا إلى القبر، كانت تتحدث أمي مع امرأة انضمت لهما من قرية مجاورة حين بدأ جنود الاحتلال الصهيوني بإطلاق الرصاص الحي فوق رؤوس المشاة الذين يتناثرون على سفح ذاك التل الصغير، كان يصرخ الجنود وهم يتضاحكون ويضربون على صدورهم قائلين: "هذه الطرقات لنا وليست لكم".

بدأ الناس الموحلون بالركض خوفاً من الرصاص، وركضت أختي مسرعة إلى الأمام، لكنها نظرت إلى الخلف لترى أمي والمرأة برفقتها لا تستطيعان الركض فعادت لهما، ثم ركضت مجدداً إلى الأمام، والرصاص يتطاير من فوق رؤوس الجميع، دخلت أختي في حيرة شديدة ورعب هائل حين جلست أرضاً قبل أن تحملها أمي مسرعة للاختباء برفقة المرأة وبعض المارة خلف كومة من الحجارة وسط الحقل الذي كانوا يقطعونه.

وصلت أمي وأختي وكثير من الناس إلى نابلس تمام الساعة الواحدة ظهراً وسط أجواء من التوتر والمحلات التجارية التي كان يغلقها أصحابها على عَجَل، والناس الذين كانوا يخرجون من الأسواق مسرعين، وبعضهم يصرخ في المارة "الجنود سيقتحمون السوق أسرعوا واخرجوا من هنا، لعنهم الله قد يطلقون الرصاص على البعض"، لكن أمي شدت على يد أختى المرتعبة، وأسرعت بها نحو المصرف لتجده قد أغلق أبوابه، فبدأت بالطرق على الباب الحديدي بشدة حتى بادرها أحدهم من الداخل: "لقد انتهى الدوام" فترد أمي عليه: "أرجوك أخبر الموظفين أنني المرأة التي أتت مشياً من القرية وصلت لتوي، أرجوك أخبرهم"، فتح الباب بسرعة والموظف يقول: "نعم لقد أخبرني أحد الموظفين بأن أترقب وصولك، وقال إنك اتصلت عليهم بالأمس هيا ادخلي بسرعة".

لقد حصلت أمي على الحوالة وابتاعت مسرعة رغيفين من الخبز وقطعة من الجبن الأبيض الفلسطيني المعروف وقنينة من العصير، أمي كانت صائمة يومها صيام يوم اﻹثنين من كل أسبوع كعادتها، ومؤكد أنها ستفطر في طريق العودة.

استشهاد المختل

تلقفت أمي خبراً من المارة بأن مختلاً عقلياً من قريتنا استشهد على مدخلها، وقام اليهود بإغلاق كل الطرق المؤدية لقريتنا، وقعت أمي في حيرة شديدة لكن أكثر ما كان يهمها تلك الأثناء هو تخفيف هلع أختي الصغيرة جراء هذا الخبر الذي حمل كماً هائلاً من الإجرام والوحشية، أتعلمين أمراً؟ تقول أمي لها، منذ أن بدأ باسل بالذهاب لمواجهة الجنود واستفزازهم على مدخل القرية وأنا أقول في نفسي إنه يطلب الشهادة وسيقتله اليهود يوماً، وها هو يستشهد اليوم، الله يرحمك يا باسل ويصبر أهلك من بعدك، والله إني أشعر بأن اليوم كان حزيناً منذ بدايته.

لقد رُفع أذان المغرب وكانت أمي لم تقترب بعد من جبال القرية ولا من مدخلها الذي يبعد أصلاً عن أول منزل فيها قرابة الثلاثة كيلومترات، والذي أكد المارة أنه يعج حالياً بعربات وآليات جنود الاحتلال، وبأن الشهيد ما زال ممدداً مكانه بعد أن أطلق عليه الجنود الرصاص، وللحظة لم يسمحوا ﻷحد من الاقتراب منه.

جلست أمي لتفطر من صيامها ولتبلل ريقها بعد هذا العناء والخوف والتعب حين شاهدها أحد المزارعين من قريتنا، والذي كان يمتلك جراراً فعرض عليها أن يوصلهما من خلال طريق مغاير عبر الجبال رغم وعورته الشديدة، لقد تنفست أمي الصعداء فقد كان الوصول إلى المنزل شبه مستحيل، خاصة وسط الظلام والوحدة، وخاصة أنها لن تستطيع المشي على الطريق المعبد بعد حادثة استشهاد باسل وإغلاق المدخل.

دخلت أمي بيتنا منهكة وبرفقتها أختي تمام العاشرة ليلاً، بعد أن شعرتا بأن عظامهما تكسرت جراء ركوب الجرار على الأجنحة فوق عجلاته الضخمة وسط الحقول الوعرة لساعات، كانت تجربة مريرة بدورها علاوة على المشي إلى نابلس.

تنويه: القصة حقيقية حدثت في الشهر العاشر من سنة 2000 بعد الانتفاضة الثانية وامتد المشوار من أراضي قرية "بيت ليد"، مروراً بسهول قرية "دير شرف" وأراضي قرية "بيت إيبا" وأراضي قرية "الجنيد"، وصولاً إلى مدينة نابلس، والعودة كانت بمحاذاة أراضي قرية "زواتا"، ثم قرية دير شرف، فقرية بيت ليد، من الخلف عبر الجبال، امتدت الرحلة في الذهاب والعودة قرابة الخمسين كليومتراً، واستمرت قرابة السبع عشرة ساعة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.