المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

بشار طافش Headshot

لماذا ارتعبت دول عربية من تقرير "إسكوا" أكثر من إسرائيل؟

تم النشر: تم التحديث:

خلال ساعتين فقط من استقالة ريما خلف من رئاستها للجنة الأمم المتحدة الاجتماعية والاقتصادية لغرب آسيا "إسكوا" التي تضم بعضويتها 18 دولة عربية، تم تحميل تقرير إسكوا على صفحة المنظمة على فيسبوك 16 ألف مرة؛ حيث إن التقرير وما يحويه متاح ﻷي شخص يريد معرفة ما بداخله حول أنه اتهم على مدار سنتين من البحث الفني والقانوني بأن إسرائيل أسست لنظام فصل عنصري "أبرتايد" يهدف إلى تسلط جماعة عرقية على أخرى، وهي عبارة عن كيان أسس لنظام فصل عنصري يمارس على الفلسطينيين،

أعد هذا التقرير خبيران أميركيان في القانون الدولي والعلوم السياسية هما "ريتشارد فولك"، أستاذ القانون الدولي في جامعة برنستن، وهو محقق سابق في الأمم المتحدة لحقوق اﻹنسان في فلسطين، و"فرجينيا تيلي" أستاذة العلوم السياسية في جامعة جنوب إلينوي، وبعد نشر التقرير في 15 مارس/آذار 2017 بيومين طلبت الأمم المتحدة والولايات المتحدة الأميركية رسمياً سحبه.

يسجل الكثير من المواقف البطولية لريما خلف مساعد الأمين العام للأمم المتحدة ورئيسة إسكوا المستقيلة، ففي عام 2014 وفي موقف عنصري اعترض مندوب إسرائيل للأمم المتحدة وقتها "رون بروسور" على توظيف ريما خلف في هذا المنصب كونه يعلم جيداً موقفها من إسرائيل ومهاجمتها الدائمة لكيانها العنصري، لكن كان رد أمين عام الأمم المتحدة السابق وقتها "بان كي مون" بأن قرار توظيف خلف أصبح نهائياً.

لكن هنا نريد أن نبين للقارئ العزيز لماذا ارتعبت إسرائيل، ومن خلفها أميركا ترامب، ومن خلفهما كثير من الدول العربية من تقرير مماثل؟! رغم أن إسرائيل عادة ما تضرب بعرض الحائط تلك القرارات الدولية -الأممية- التي تدينها وتدين كيانها وجرائمه تجاه الشعب العربي الفلسطيني وباقي الأمة العربية، وكلنا يعلم أن رئيس وزراء الكيان الحالي بنيامين نتنياهو دائماً ما ينعت منظمة الأمم المتحدة بأنها "منظمة اللاشيء" كونه يرمز لها بـ"U N" أي "United nothing"، على حد تعبير الأخير، وجميعنا يعلم أيضاً أن 99% من قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بالصراع العربي - الصهيوني هي قرارات لصالح الشعب الفلسطيني والعرب، لكن دون جدوى! إذاً لماذا كل هذا الرعب "الصهيوأميركاعرباني" من تقرير اﻹسكوا؟!

بداية يجب علينا أن نعي تلك المغالطات التي كان يقع فيها المجتمع الدولي، أو يوقع نفسه فيها عمداً حين يتعامل مع الصراع العربي - الصهيوني، وهي مغالطات غيبت دور الأمم المتحدة وقراراتها خلال الـ70 سنة الفائتة من الاحتلال الصهيوني لفلسطين، وقد جاء تقرير اﻹسكوا ليزيل عن تلك القرارات هذا اللغط، وهذا اللبس، وهي ثلاث مغالطات:

المغالطة الأولى: أن تلك القرارات الأممية عادة ما تعتبر أن إسرائيل ارتكبت جريمة عندما قامت باحتلال باقي فلسطين عام 1967، بينما إسرائيل مجرمة منذ أن احتلت فلسطين عام 1948، وهذا ما يغيبه المجتمع الدولي عادة، وهذا ما يتم التعامل على أساسه حين يتعاطى المجتمع الدولي مع الصراع العربي - الإسرائيلي.

المغالطة الثانية: أن تلك القرارات الأممية تتعامل مع إسرائيل ككيان قائم، لكنه يرتكب جرائم في حق الفلسطينيين من قتل واعتقال وتعذيب وهدم بيوت وتدمير مزارع ومصادرة أراضٍ، وتدمير قرى تاريخية ومقابر.. إلخ، بينما الحقيقة هي أن إسرائيل عبارة عن كيان فصل عنصري "أبرتايد" لا يحق له الوجود أصلاً، وبالتالي فهو كيان لا يحق ﻷي جهة أو منظمة أو جماعة أو دولة التعامل معه لا سياسياً ولا دبلوماسياً ولا ثقافياً ولا تجارياً أو اقتصادياً، ولا بأي شكل من الأشكال حسب القانون الدولي، وتعتبر أي دولة تتعامل مع كيان فصل عنصري مدانة ومشاركة بجريمة الفصل العنصري ومتورطة معه بكل جرائمه العنصرية، بل وتعتبر داعمة له في ممارساته العنصرية.

المغالطة الثالثة: أن الحل لا يمكن أن يكون من خلال حل الدولتين كما يروج، طالما أن إسرائيل عبارة عن كيان فصل عنصري أبرتايد، الحل فقط هو من خلال إنهاء هذا الكيان العنصري حسب المواثيق والقوانين الدولية وميثاق اﻷمم المتحدة؛ لأنه لا يمكن التعاطي مع كيان كهذا بأي شكل من الأشكال، فنظام جنوب إفريقيا إبان الفصل العنصري لم يفككه نيلسون مانديلا وحده ولا حزبه "حزب المؤتمر الإفريقي" وحده، بل ساهم المجتمع الدولي بذلك أيضاً وبفاعلية بالغة حين اعتبر ذلك النظام نظام فصل عنصري وأوقف التعامل معه بكل الأشكال السياسية والدبلوماسية والتجارية والثقافية،

مما أدى إلى عزله دولياً وإنهائه كنظام فصل عنصري في النهاية، لكن يبدو أن المجتمع الدولي المدان حالياً يتساهل مع الكيان الصهيوني كيان الأبرتايد؛ لأنه نظام فصل عنصري يمارس على عرب فلسطينيين لا قيمة لهم في نظره، غير أن هذه وصمة خزي وعار ستلاحق هذا المجتمع الدولي وستظل تذكره أنه كان يدعم نظام فصل عنصري على مدار عقود طويلة، وكل دولة على حدة.

لكن يبدو في ذات اللحظة أن المجتمع الدولي اليوم أكثر تنبهاً للكيان الصهيوني ودولته إسرائيل وخطورة التعامل معها، والدليل على ذلك هو نجاح حركة BDS "حركة مقاطعة إسرائيل على المستوى الدولي" وخاصة أوروبا، فلربما أن تقرير إسكوا ونجاح حركة BDS دولياً وتنبه أوروبا لحقيقة الكيان الصهيوني وصعود جماعات الضغط المضادة داخل البرلمانات والحكومات الأوروبية والآسيوية التي تدفع باتجاه رفض هذا الكيان،

لهي إرهاصات بداية نهاية هذا الكيان ودولته العنصرية، خاصة أنه لا وجود حالياً لدولة أوروبية واحدة أو غيرها في العالم كله تملك قوانين أو دستوراً مبنياً على تسلط جماعة عرقية على أخرى، أو تسلط مسيحيين على مسلمين أو عرب أو يهود.. إلخ كما هو الحال بالنسبة لدولة الكيان الصهيوني إسرائيل، لقد باتت تلك المجتمعات الآن أكثر وعياً للعار الذي قد يلحق ببلدانها نتيجة تعاملها مع كيان عنصري مماثل، وهي تضغط أكثر وأكثر على حكوماتها لوقف التعامل معه.

إذاً حسب تقرير الإسكوا، فإن إسرائيل "كيان أبرتايد" كيان فصل عنصري يمارس على الفلسطينيين قوانين ازدواجية، قوانين تنصف اليهود وقوانين تمارس كل أوجه الظلم على الفلسطينيين، كيان يملك دستوراً مشوهاً مبنياً على العنصرية التامة، ولا يمكن التعامل مع كيان كهذا، بل ويجب عزله دولياً حتى يتم القضاء عليه نهائياً، حسب القانون الدولي وحسب ميثاق الأمم المتحدة،

ولذلك لم نجد أن الأمم المتحدة والولايات المتحدة اعترضت مثلاً على جملة أو فقرة أو فصل ضمن هذا التقرير؛ بل تم رفضه بالكامل، رفضه دونالد ترامب الذي قام بدوره بالضغط على أمين عام الأمم المتحدة "أنطونيو غوتيريش" الذي بدوره ضغط على رئيسة الإسكوا وزيرة التخطيط الأردنية السابقة ذات الأصول الفلسطينية الدكتورة "ريما خلف"، والتي لم يكن منها سوى تقديم استقالتها محرجة بذلك اﻹدارة الأميركية وأمين عام الأمم المتحدة وكل المجتمع الدولي الذي لطالما غطى على عنصرية إسرائيل وغطى على عدم جواز قيامها من أصله، لقد برر أمين عام الأمم المتحدة قبوله لضغوط ترامب؛ حيث هدده الأخير بوقف تمويل المنظمة الأممية الذي يبلغ 20% من مجمل دخل المنظمة.

لكن لماذا ارتعبت كثير من الدول العربية من تقرير اﻹسكوا هذا؟ ولماذا تنفست الصعداء حين تم سحبه نهائياً من قبل الأمم المتحدة، خاصة تلك الدول العربية التي تقيم علاقات دبلوماسية وتجارية مع إسرائيل وتطبع معها على أعلى مستوى؟! تلك الدول وهي معروفة للجميع تدرك تماماً أنها تقيم علاقات مع دولة الكيان الصهيوني على مستوى رسمي فقط لا يمثل شعوبها وتطلعاتها ولا تقيم وزناً لا لمشاعر شعوبها ولا لتاريخها، فرغم أن تلك الأنظمة العربية عملت طويلاً على نشر الجهل بين الشباب وتهميشهم وتقزيم دورهم وتحويلهم عن القضية الأساس، فإنها صدمت كأنظمة حين شاهدت تفاعل الشباب العربي -الشعب العربي- من المحيط إلى الخليج مع قضية ريما خلف ونتائج تقرير اﻹسكوا، لقد أدركت تلك الأنظمة أن جهودها التي بذلت لها الغالي والنفيس لتهميش القضية الفلسطينية وتحويل اهتمامات الشباب والشعوب العربية لغير قضايا تافهة ذهبت هباءً منثوراً وكأنها لم تكن أو تبذل يوماً.

لقد شعرت تلك الدول العربية ممثلة فقط بأنظمتها شعرت للحظة بأنها وحيدة في قلب هذه الأزمة، وهي تدرك اﻵن قبل أي وقت مضى أن أنظمتها ورؤوسها سوف يقفون كمدانين ومتهمين أمام المحاكم الدولية، ولن يقف إلى جانبهم أحد؛ كونهم تواطأوا وتنازلوا وتعاطوا وتعاونوا وساعدوا ودعموا كياناً عنصرياً "أبرتايد" كياناً مرفوضاً حسب القوانين والمواثيق الدولية، سوف يدركون ذلك حين لن يجد المجتمع الدولي بداً من تقديم القرابين على مذبح العدالة، وعندها لن يفيد الندم يومئذ.. "بل اﻹنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره".

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.