المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

بشار طافش Headshot

رسالة إلى ابني الحنون "3"

تم النشر: تم التحديث:

رسالتي السابقة لك بُنَيّ الحبيب كانت حول حقيقة رحيلي ووجوبه من حياتكما كي أحافظ على مستقبلكما وصورتي أمامكما، وأن أحافظ على "كرامتي"، فمن غير الصحي في النهاية أن تشبا، وخاصة أنت، وكنت أعامل أمامكما هذه المعاملة السيئة الفظة في أحايين كثيرة -رغم تلك اللحظات الصافيات- وأن أضطر دائماً لترك المنزل عديد المرات، وكنت أعتقد أن هذه التصرفات من دعوة للخروج من المنزل والتشكيك فيما أقدمه لا تستدعي هدم أسرة، غير أنها ذهبت في النهاية بكل مودة ورحمة من أعمدة الحياة الزوجية الطبيعية التي وضعها الله تعالى لنا، علاوة على أنني اكتشفت أن أموراً سيئة مماثلة سيستمر حدوثها مستقبلاً، والواضح أنها لن تتوقف أبداً، وأنا الذي كنت لا أنفك أراهن على توقف تلك التصرفات الغريبة منذ خمسة عشر عاماً مضت وكلي غباء شديد!

هي أسلوب حياة إذاً، مبني على التنظير الفارغ الذي أسست عليه تلك اﻹنسانة بكل عناية، تلك التصرفات التي لن تتوقف سيكون لها أثر أشد تدميراً مما هو عليه الآن فيما لو استمر، واستمرت معه مراهنتي على حياة كهذه، وخاصة عليَّ أنا حين أكون قد بلغت الستين مثلاً أو السبعين -الله أعلم- عندها يكون قد فات الأوان ﻷي تصرف من شأنه الحفاظ على كرامتي، من يقبل حياة كهذه عندما يكون قد أصابه ما أصابه من آثار الشيخوخة وتقدم السن والعجز؟! وبما أن المشروع خاسر على الصعيد الأسري فأفضل حل هو تقليل تلك الخسائر قدر اﻹمكان رغم هول الآلام التي انطوى عليها هذا الرحيل.

كيف سأسمح بأن تشبّا على وضع مماثل؟

لا يمكن أن أقبل بأن يستمر هذا الوضع، وأنا سأنتظر تلك الأيام التي ستأتي لتبين لكما وأنتَ بالذات بُني الغالي على قلبي وعقلي قدر التضحية التي قدمتها في سبيل مستقبلكما، وصورتي، في حياتكما تلك الأزمنة القادمة، وإلا:

كم تعتقد يا ولدي الحبيب أنني راضٍ عن تركي لحياة كانت بصحبتك وفي عمرك وكنت أعشق وقتها أن أجلسك على حجري؟
كم تعتقد يا ولدي الغالي أنني راضٍ عن تركي لحياة كانت بصحبتك ذياك الزمن من عمرك، وكنت تجلس إلى جانبي في المركبة ونحن ذاهبان لجلب تلك الأكلة الشعبية من الحمص والفلافل، وفي كل لحظة أضع يدي على شعرك فرحاً معتزاً بوجودك إلى جانبي؟

كم تعتقد يا حبيب عمري أنني راضٍ عن تركي لحياة كانت بصحبتك وأنا أمسك بيدك ونحن ذاهبان لصلاة الفجر بعد أن نتناول طعام السحور في رمضان، أتذكر كم كنت تسألني عن قمر الفجر وشقشقة الشمس تلك الصباحات الساكنات؟

كم تعتقد يا عمر عمري كله أنني راضٍ عن تركي لحياة كانت بصحبتك وأنا أجلس لمشاهدة التلفاز تلك الليالي السامرات وأنت تلعب أرضاً أمامي بسيارتك الصغيرة مصدراً أصوات التصادم والسرعة، أتعلم أمراً؟ لم أكن أحب أن أستمع للبرنامج وهو يأخذني عن الاستماع لصوت لعبك الذي ما زال يهمس في أذنيّ إلى اللحظة، هل تجدني أحببت ترك تلك الأجواء الهادئة الرائعة وأنت بقربي؟

كم تعتقد يا حياتي أن أباً مثلي كان يستشيط غضباً من طفل بعمرك ويوجه لك كلاماً لا يعجبك مثلاً وأنتما تلعبان، ويقوى على البعد عنك؟!

هل ما زلت تعتقد بني الحبيب أنني سعيت لترك حياة كانت بصحبتك ونحن ذاهبان لصلاة الجمعة وترفض وقتها إفلات يدي ونحن نسير نحو المسجد، وتجلس على حجري أثناء الاستماع للخطبة وأحيطك بذراعي وشفاهي على مؤخرة رأسك أتحسس خلالهما حرارتها الدافئة وأستنشق رائحة شعرك بلذة وعمق؟

أتذكر بُني الحبيب حين رفضت في يوم من أيام الجمعة الجلوس على حجري مفضلاً الجلوس إلى جانبي متكئاً على وركي؟ حينها قلت لي إنك كبرت وتخجل من الجلوس على حجري، لكم أشعرني ذلك بالحزن وأفرحني في ذات الوقت.

أنت تعلم بُني الحبيب أنني أعشق المطر والوقوف تحته والسير فيه، لكني بت مؤخراً أخاف فصل المطر وقدومه وأنا أتذكر يوم تمطر الدنيا تلك المطرة اﻷولى في الفصل، كيف كنا أنا وأنتما نخرج لنقف تحته وضحكاتكما تملأ الدنيا من حولي، هل ما زلت تعتقد أنني أحببت أو سعيت أنا وحدي للبعد عن فصول شتاء كنت أنتظرها ﻷقضيها معكما وبقربكما وﻷعيد كل تفصيل في كل مطرة أولى؟!

ماذا تعرف أيضاً عني بني الغالي؟ أنت تعرف أيضاً أني رجل بيتوتي، أحب البيت، كنت أقتنص الفرص للبقاء في المنزل، كنت أقضي كل إجازاتي في المنزل إلى جانبكما أو معكما في أي مكان نذهبه، هل تذكر بني أني قضيت وقتاً مع صديق أو خرجت مع أصدقاء، أو حتى كان لي تلك اللحظات المعروفات الروتينيات مع مجموعة من الرفقة، حاول أن تتذكر أرجوك، كنتما كل حياتي وما زلتما، كنت أتحرق شوقاً للعودة إلى المنزل بأسرع ما يمكن حين أنهي عملي، لكنك ربما لا تعلم بعد أن مفهوم الأمان بالنسبة لي هو أن أتواجد تحت سقف واحد معكما، لم يكن شيئاً ينسيني همومي وقسوة الحياة سوى وجودي إلى جانبكما تحت نفس السقف؛ ﻷسعى في النهاية سعياً وأبحث عن الظروف بحثاً التي تهيئ لي البعد عنكما؟! لا يمكن أن يكون ذلك حقيقياً بُني لا يمكن أبداً.

بُني الحبيب، أرجو أن تفكر ملياً في هذه القصة القصيرة جداً، هناك أستاذ جامعي في إحدى الجامعات اليابانية أخذ على عاتقه معرفة تلك الأسباب الحقيقية التي دفعت الحكومة الأميركية لاتخاذ قرار ضرب اليابان بقنبلتَين نوويتَين على مدينتي هيروشيما وناكازاكي إبان الحرب العالمية الثانية راح ضحيتهما عشرات الآلاف من المدنيين الآمنين الغافلين خلال الدقائق الأولى للتفجير، واستمر بحثه قرابة الـ25 عاماً بين عشرات الآلاف من الوثائق الأميركية واليابانية التي شملت مراسلات حكومية، وعسكرية، ومحاضر اجتماعات، وقرارات، وتقارير عسكرية، واستخباراتية.. إلخ حتى اكتشف في النهاية أن قرار الحكومة الأميركية كان مبرراً؛ ﻷنها كانت تحاول أن تحمي نفسها والشعب الأميركي والبلد من الاحتلال الياباني المحتمل، لكنه كتب في نهاية بحثه: "لكني أجد أن ذلك خرافي".. تحياتي لك.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.