المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

باسم القاسم Headshot

هل تُشعل "المواجهات الشعبية" في الضفة الغربية حرباً جديدة في غزة؟

تم النشر: تم التحديث:

مع تصاعد المواجهات الشعبية مع الاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية، وارتفاع وتيرة عمليات الطعن ضد المستوطنين والجنود الإسرائيليين في الضفة الغربية بما فيها شرقي القدس المحتلة وداخل الأراضي الفلسطينية المحتلة سنة 1948، تزداد التساؤلات حول إمكانية انتقال شرارة هذه الأحداث إلى قطاع غزة محدثة حرباً رابعة هناك، وما يمكن أن يحدث ذلك من تداعيات على مسار الأحداث في الضفة الغربية.

تبدو إمكانية اشتعال حرب جديدة في القطاع قوية من الناحية النظرية، خصوصاً مع تسارع الأحداث في الضفة الغربية من اعتداءات إسرائيلية على الفلسطينيين الثائرين هناك، وازدياد وتيرة اقتحامات المستوطنين للمسجد الأقصى، وإقدام صانع القرار الإسرائيلي على سن قوانين تهدف إلى التكييف القانوني لعمليات القمع هناك، ودعوات التحريض السياسي والإعلامي الإسرائيلي المستمرة ضد الفلسطينيين وقيادة السلطة في الضفة الغربية، وضد القيادات الفلسطينية في الأراضي الفلسطينية المحتلة سنة 1948، في ظل استمرار تعثر عملية التسوية السلمية، هذا من جهة.

أما من جهة أخرى فمازالت مخرجات الحرب الإسرائيلية الأخيرة على القطاع واتفاق وقف إطلاق النار الذي وضع حداً لهذه الحرب، مخيبة لآمال قادة فصائل المقاومة ومعهم معظم الفلسطينيين في القطاع؛ فالحصار مازال مستمراً، وتدفق البضائع عبر المعابر الحدودية مع الكيان الإسرائيلي مازال يخضع للإملاءات والسياسات الإسرائيلية، أما معبر رفح على الحدود مع مصر فهو مقفل في معظم الأحيان، باستثناء تشغيله من حين إلى آخر لمرور الحالات الإنسانية الخاصة، أو بالمناسبات المتباعدة زمنياً كمرور الحجاج في موسم الحج والطلاب المتوجهين للدراسات في الخارج.

أما فيما يخص عملية إعادة إعمار ما هدمته آلة الحرب الإسرائيلية في غزة، فمازالت آلية الإعمار متعثرة ومُعطلة بسبب الإجراءات الإسرائيلية، أضف إليها الخلافات الفلسطينية الفلسطينية حول إدارة هذا الملف.
لا شك أن هذه الظروف وغيرها تشكل دافعاً حقيقياً وقوياً لتأجيج حرباً جديداً في غزة، إلا أن هناك ظروفاً وعوامل أخرى في المقابل تجعل حدوث مثل هذه المواجهة، على الأقل في الوقت الراهن، أمراً بعيداً عن التحقيق.

فعلى الصعيد الفلسطيني يدرك الجانب الفلسطيني المؤيد لنهج المقاومة الشاملة المتكيفة مع الظروف الداخلية والخارجية، أن ما يمكن أن تحققه الهبة الشعبية أو الانتفاضة الثالثة، إن صح التعبير، ذات الطابع الشعبي البعيد إلى حد ما عن الصبغة العسكرية الظاهرة بشكل عام، من إنجازات على صعيد إعادة التئام الوحدة الوطنية الفلسطينية وتحقيق المصالحة من جهة، وما يمكن أن تحققه هذه المواجهات من إعادة الاعتبار لمسار المقاومة والانتفاضة الشعبية من جديد، وإدخال مسار المفاوضات وعملية التسوية في غرفة الإنعاش مجدداً، من جهة أخرى، هو أفضل بكثير من حيث المنظور الاستراتيجي لإدارة الصراع، من ما يمكن أن يتحقق فيما لو تطورت الأمور في الضفة الغربية أو في قطاع غزة إلى مواجهات عسكرية.

تبرز دلالات هذا التوجه غير العسكري لدى قادة الفصائل الفلسطينية، من خلال حالة الهدوء المستمرة في القطاع، مع عدم استبعاد حدوث مناوشات عسكرية من حين إلى آخر؛ كجولة المواجهة المحدودة التي حدث منذ أيام، لا ترقى إلى حدود المواجهة الشاملة، يراد من خلالها التلويح أو إرسال رسائل متبادلة بين المقاومة والاحتلال الإسرائيلي ضمن سقف الالتزام بعدم الانجرار نحو الانفجار الشامل.

وفي هذا السياق جاء تصريح عضو المكتب السياسي لحركة حماس، موسى أبومرزوق، على صفحته على "فيسبوك" مساء الأحد 11/10/2015، حيث دعا أبومرزوق إلى عدم حرف بوصلة الانتفاضة المندلعة في القدس والضفة المحتلتين، قائلاً: "يجب ألا تُصرف الأنظار ولا الاهتمام ولا الصحافة والإعلام عن حراك شعبنا في القدس والضفة، وعلى الساحات الأخرى دعم هذا التحرك بما يستطيعون تحريضاً ودعماً ومؤازرة". وأضاف "لا نريد أن ندفع دماء أبنائنا ونسائنا، ثم لا نحقق ما انتفضنا لأجله"، لافتاً إلى أن هناك صفحات من التواصل الاجتماعي وبأسماء فلسطينية وأقلام وتغريدات "كلها تدعو إلى إطلاق الصواريخ لحرف التوجه، والانتفاضة إلى ميدان آخر، وصيغة أخرى".

أما على الصعيد الإسرائيلي، فعلى الرغم من حالة الهيجان والتهديدات العنترية الإسرائيلية التي يطلقها قادة الكيان، وإرسال الرسائل عبر قصف آلته العسكرية بعض المواقع العسكرية في غزة رداً على إطلاق المقاومة صواريخ من هناك كما يدعي، مازال صانع القرار الإسرائيلي يتجنب ولا يتمنى تفجر مواجهات أو الانجرار نحو حرب شاملة في القطاع، لاعتبارات عديدة؛ منها فشل "إسرائيل" في تحقيق حالة الردع ضدّ قطاع غزة والقضاء على ترسانة المقاومة الصاروخية، التي يبدو أنها استعاضت الكثير من مخزونها الذي استخدمته خلال المواجهة الأخيرة في الحد الأدنى، مع الأخذ بالاعتبار أن ما ستكشف عنه أية مواجهة قادمة مع الاحتلال من قدرات صاروخية قد يزيد من تردي حالة الردع الإسرائيلية، خصوصاً مع دخول أكثر من ستة ملايين إسرائيلي في مدى صواريخ المقاومة خلال المواجهة الأخيرة.

كما أن المجتمع الدولي وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية يولي جل اهتماماته في الوقت الراهن، إلى مواجهة تداعيات الحروب والتحولات القائمة في دول الشرق الأوسط، خصوصاً الحروب القائمة في سورية واليمن والعراق، وليبيا، وهو غير مشجع لاشتعالات أخرى في المنطقة، وهذا ما يدركه الجانب الإسرائيلي، أضف إلى ذلك حالة الجفاء أو عدم التجانس، التي تبدو عليه العلاقة بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ونظيره الأمريكي باراك أوباما.

لكن مع الأخذ في الاعتبار كل ما تقدم، تبدو إمكانية إدارة هذه الجولة من المواجهات على هذا النحو "المنضبط" إن صح التعبير، مرتبطة وتخضع لمسار وتطور المواجهات هناك في قادم الأيام، كما أنها مرهونة لحسابات الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني، وإمكانية الاستثمار السياسي والاستراتيجي لدى الجانبين. فقد لا يتردد نتنياهو نحو الإقدام على التصعيد المسلح في غزة، في حال فشله في قمع هذه الانتفاضة، ليلفت الأنظار ويسحب البساط من حالة التأييد الشعبي والعربي وحتى الدولي لهذه الانتفاضة، خصوصاً مع تصاعد وتعاظم الانتهاكات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين المدنيين، وليزيد من حالة تأييد الشارع الإسرائيلي له، خصوصاً بعد أن أظهر استطلاع للرأي الإسرائيلي نشرته صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية في 11/10/2015، أن التصريحات الدموية التي أطلقها زعيم حزب "إسرائيل بيتنا" أفيغدور ليبرمان، في الأيام الأخيرة، قد رفعت من شعبيته بين الإسرائيليين، كالشخص الملائم أكثر من غيره لمعالجة القضايا الأمنية، في حين دلّ الاستطلاع ذاته على تراجع حاد في شعبية رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، إذ قال 73% من المستطلعين إنهم غير راضين عن أدائه في ظل الأحداث الأخيرة.

كما أن تمادى الاحتلال في استخدام الذخيرة الحية تجاه المتظاهرين بشكل متعمد، على شاكلة ما أقدم عليه بعد فقدانه السيطرة على انتفاضة الأقصى التي اندلعت سنة 2000، وما قد ينتج عن ذلك من سقوط أعدادٍ كبيرة من الشهداء والجرحى، ما قد يدفع في نهاية المطاف الفلسطينيين الغاضبين ومعهم الفصائل الفلسطينية في الضفة الغربية إلى اللجوء إلى استخدام الأسلحة من أجل الدفاع عن النفس، أو كرد فعل متوقع، ما قد يؤدي ذلك إلى اشتعال حرب جديدة في القطاع.

يبدو أن الجانب الفلسطيني مدرك لهذا السيناريو، وهو على ما يبدو يعمل على إضعاف تحقيق هكذا احتمال في الوقت الراهن، مراهناً على حالة الوعي لدى الكل الفلسطيني، ومتحسباً لانعكاسات وتداعيات التطورات القادمة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.